أحمد ابن الصديق: ملاحظات حول الخطاب الملكي في عيد العرش

الملك خلال خطاب العرش

1- في خطاب تضمن 2519 كلمة، ورد لفظ الحكومة مرة واحدة في دور المنفذة لأمر الملك الذي يقرر وحده: “وحتى لا يبقى التقرير الختامي لهذه الدراسة حبرا على ورق، أو مادة للاستهلاك الإعلامي فقط، فقد قررنا أن يتم نشره على أوسع نطاق، داعين الحكومة والبرلمان، وكل المؤسسات المعنية، والقوى الحية للأمة للانكباب على دراسة التوصيات البناءة التي يتضمنها، والعمل على تفعيلها”، فما الجدوى من البرنامج الحكومي ومن التنافس الانتخابي على مقاعد البرلمان ومن الأحزاب أصلا. إن كل هذا الضجيج لا يعدو أن يكون “لعب عيال” كما يقال في مصر، أمام القرارات الملكية./ol>

2- وردت صيغة المتكلم عدة مرات: “أنا لا تهمني الحصيلة”، “ذلك أنني، من منطلق الأمانة العظمى التي أتحملها”، “ذلك أنني ألاحظ”، “وإني لواثق”… كما وردت صيغة الجمع الذي يدل على الفرد: “نوجه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي”، “وإننا نتطلع”، “فإننا ندعو”، “إن عملنا”، “فإننا نعمل”، “كما نؤكد دعمنا”… وهذا النوع من الخطاب يعبر عن استمرار الحكم الفردي الذي لا يخضع لا للمحاسبة ولا للمساءلة، ويضرب في الصميم مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة الذي نص عليه الدستور، ويجعل المؤسسات كلها في خدمة توجهات الملك وتحت إمرته.

3- على غرار خطب ملكية سابقة تناول هذا الخطاب “الوحدة الترابية، التي تظل أسبقية الأسبقيات” لكنه لم يشرح هل سبتة ومليلية مدينتان مغربيتان محتلتان تندرجان ضمن هذه الوحدة أم لا. لقد اختفت هاتان الكلمتان من الخطب الملكية ومن خطب رئيس الحكومة أمام البرلمان ومن الدبلوماسية المغربية سواء في الأمم المتحدة أو غيرها من المناسبات، بل إن المغرب قام مؤخرا بتكريس “رسم الحدود” مع مليلية بإقامة سياج حديدي لمنع المهاجرين الأفارقة من التسلل إلى مليلية وهو ما شكره عليه الجانب الإسباني بل إن الصحافة الإسبانية اعتبرته هدية من محمد السادس إلى ملك إسبانيا الجديد. منذ أيام زار مليلية وزير الداخلية الإسباني ليحتفل بذكرى معركة أنوال رغم أن الإسبان قد خسروها، بينما السلطات في المغرب تخنق كل الأصوات التي تحاول التذكير ببطل المعركة المجاهد الكبير محمد بن عبد الكريم الخطابي، ولا تحب السلطة من يذكرها أن السلطان المغربي يوسف آنذاك، وهو من الأسلاف “المنعمين”، قد هرول سنة 1926 للاحتفال مع فرنسا بالانتصار على بن عبد الكريم، فانحاز انحيازا كاملا للمستعمر ضد وطنه. إن المغالطة القديمة الجديدة هي أن تكون الوحدة الترابية أسبقية الأسبقيات، والهدف من هذه الخدعة هي استمرار نمط التحكم الحالي المغرق في الفساد، بينما أسبقية الأسبقيات هي إرساء الديمقراطية الحقة غير المزيفة، و منها احترام كرامة الإنسان، وضمان القضاء النزيه عير المسيس، واحترام حرية التعبير ، والديمقراطية هي الطريق إلى صيانة الوحدة الترابية وإلى حل حقيقي لنزاع الصحراء المغربية، لأنها ستقنع المدافعين عن الانفصال أن كرامتهم ستكون محفوظة، وحقوقهم مضمونه لا تنزل عليهم هراوات البوليس، ولا يتلاعب بهم قضاء يتمسح بالأعتاب، ولا تنهشهم صحافة السب والقذف المجاني التي لوثت الفضاء الإعلامي الوطني.

4- ورد في الخطاب تساؤل مدهش:” أتساءل باستغراب مع المغاربة: أين هي هذه الثروة؟ وهل استفاد منها جميع المغاربة، أم أنها همت بعض الفئات فقط؟”.
هذا التساؤل يذكرنا بسؤال استنكاري يشبه النكتة ورد في خطاب 6نونبر2013:” فهل يعقل أن يحترم المغرب حقوق الإنسان في شماله، ويخرقها في جنوبه؟”، فهل هو سؤال استهزائي أم استنكاري، أم هو منطقي، وما تقارير المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية ببعيد.
أما سؤال الثروة اليوم فلعل الجواب السريع عليه هو: اسلك يدك في جيبك فلن تخرج بيضاء من غير سوء، مثل يد نبي الله موسى، بل ربما تخرج مليئة بالمال الذي استُعمل الكثير من السوء لأجل الاستحواذ عليه، ولعل الجواب يأتي خلال تصفح كتاب “الملك المفترس” Le Roi Prédateur”الصادر بداية 2012 والذي لم يكلف القصر الملكي نفسه عناء الرد ولو على جزء يسير من مضمونه المهول. هل يبقى سبب للاستغراب إذا تذكر المرء أن ميزانية القصر الملكي اليومية تناهز 7 ملايين درهم (700 مليون سنتيم)أي أكثر من 4800 درهم في الدقيقة؟ وللتذكير فقط، فقد كاد الدستور الجديد يتضمن فقرة جريئة عن وجوب فصل السلطة عن المال لكن وقع التراجع عنها في الأخير.

5- في الجانب الاقتصادي ورد في الخطاب مصطلح التبادل الحر مرتين، مع أوربا ومع أمريكا، فماذا تقول الأرقام عن حصيلة اتفاقيات التبادل الحر التي سبق للمغرب أو وقعها مع شركائه؟ لقد ارتفع العجز التجاري الإجمالي إلى مستويات مخيفة فناهز 200 مليار درهم سنة 2012 أي 23 في المئة من الناتج الداخلي الخام، وخلال عشر سنوات، من 2001 إلى 2011، انتقل العجز التجاري مع الاتحاد الأوربي من 12 إلى 70 مليار درهم، ومع الولايات المتحدة من 5 إلى 22 مليار درهم، و مع تركيا من أقل من مليار إلى 6 مليار درهم، وهذا يعني أن المستفيد من هذه الاتفاقيات هم هؤلاء الشركاء أكثر من المغرب، و كل تلك الاتفاقيات لم تكن موضوع نقاش وطني، و لا مساءلة برلمانية ولا تحضير استباقي للمفاوضات بل كان الأمر (ولا يزال) يصدر من القصر وتنفذه الحكومات المتعاقبة، فمن يا ترى يستحق المحاسبة اليوم ؟

6- ورد في الخطاب ” نؤكد التزامنا بمبادرتنا بتخويل أقاليمنا الجنوبية حكما ذاتيا، وهي المبادرة التي أكد مجلس الأمن مرة أخرى، في قراره الأخير، جديتها ومصداقيتها” وهذه الصيغة التي تتجاهل إصرار الأمم المتحدة على حل تقرير المصير الذي أصبح المغرب يعارضه بشدة بعد أن كان قد وافق عليه، تشبه الوقوف عند ويل للمصلين، لماذا؟

لقد جاء في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الأخير 10 أبريل 2014 في الصفحة 29:” إنني أدعو الطرفين إلى التسليم بضرورة إحراز تقدم عاجل، والعمل بجدية بشأن المسألتين الأساسيتين الواردتين في توجيهات مجلس الأمن، أي أن الفحوى هي التوصل إلى حل سياسي، وأن الشكل هو تقرير المصير، وأرجو من المجتمع الدولي، وبوجه خاص الدول المجاورة، وأعضاء فريق الأصدقاء، تقديم الدعم لهذا المسعى”.
أما قرار مجلس الأمن الأخير 2152 بتاريخ 29 أبريل 2014، فإنه ينص في الصفحة الأولى على ما يلي:”

 

الفقرة 1

               ونجد في الصفحة الثانية:

الفقرة 2

أما صفحنه الرابعة فهي تتضمن هذه الفقرة:

الفقرة 3

7- جاء في الخطاب “أما إذا كان الإنسان يعتقد أنه دائما على صواب، أو أنه لا يخطئ، فإن هذا الطريق سيؤدي به إلى الانزلاق والسقوط في الغرور”. حسنا، لماذا إذن تمت معالجة خطيئة العفو المشؤوم على دانيال كالفان مغتصب الأطفال (والخطيئة شيء أشنع من الخطأ)، بخطيئة القمع وتهشيم رؤوس المواطنين المحتجين وإسالة دمائهم بالهراوات الغليظة؟ ثم عندما أصبحت الفضيحة فضيحتين عالميتين لماذا أضيفت للخطيئة الأولى والثانية خطيئة ثالثة هي التستر على من ارتكب فعل القمع ومن أصدر الأمر به، وهو ما يكرس الإفلات من العقاب ويُعتبر ملازما للاستبداد، وانضافت الخطيئة الرابعة وهي الانتقام من الصحافي المستقل على أنوزلا مدير موقع ” لكم ” الذي لعب دورا بارزا في فضح القضية، والبقية معروفة.

8- تناول الملك العدوان على غزة قائلا: “وفيما يخص القضية الفلسطينية، فإننا نجدد إدانتنا القوية للعدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة”، ولكنه لم يذكر ولا كلمة عن المقاومة الفلسطينية البطولية، ولم يستنكر ولو بإشارة خفيفة، التواطؤ الفرنسي المخجل مع إسرائيل ولا تزويد أمريكا لإسرائيل بالذخيرة لتقتل الأطفال، ولا مساهمة النظام المصري في حصار غزة عبر إغلاق معبر رفح، كما أن الملك لم يتناول مشروع قانون تجريم التطبيع الذي لا يزال مجمدا في البرلمان. فما هو السبب ومن يقف وراء عرقلته؟

وعيد الفطر مبارك سعيد وكل عام وأنتم بخير.

مقالات ذات صلة

By 

Sign In

Reset Your Password