استقلال “إقليم كاتالونيا” مسمار ينتعل حذاء وحدة مملكة إسبانيا/ صبري لحو

تدخل الشرطة ضد القوميين يوم فاتح أكتوبر

  لم يكن ماريانو راخوي يتعامل مع مبادرات كاتالونيا بالاستقلال بالجدية المطلوبة، ولا يعير أهمية للحوار السياسي مع الأحزاب القومية المسيطرة، والتي تستقطب الساكنة بوعد تنظيم الاستفتاء من أجل الاستقلال، وتحصد أصواتها وتعزز فوزها ونتائجها مع توالي الاستحقاقات النيابية المحلية والوطنية، في مقابل تقهقر رصيد ونتائج وحضور الأحزاب التقليدية في الإقليم(الحزب الشعبي والحزب الاشتراكي).

وكان رهان وارتكاز ماريانو راخوي منذ البداية منصبا على دستور الأمة الإسبانية لسنة 1978 والقانون والمؤسسات في مواجهة هذا المد الانفصالي وإجباره على الجزر والتراجع، وكان يهرول إلى المحكمة الدستورية لتعطيل أي إعلان أو مبادرة أو قانون وبطلانه، بعلة عدم موافقة السلطة المركزية في مدريد(ف 32 المادة 149 من الدستور، والمنع الدستوري لإجراء أي استفتاء خلافا لذلك، ولكون الدستور نفسه يحمي الوحدة الترابية لإسبانيا) المادة 2 من الدستور.

وفي مقابل نظر الحزب الشعبي الحاكم، فقد أدرك الحزب الاشتراكي خطر هذه النزعة الانفصالية، وكان ينادي باستباقها بحل وسط عن طريق تعديل الدستور والعبور نحو النظام الفدرالي؛ غير أن تعثر بيدور سانشيز، رئيس هذا الحزب، في تشكيل الحكومة بعد الفرصة التي أتته على إثر إعلان راخوي عن الحزب الشعبي الفائز بالانتخابات عدم مبادرته لتشكيل أغلبية حكومية، وبعده تقهقر نتائج الحزب الاشتراكي التاريخي بعد إعادة الانتخابات، ونجاح راخوي أخيرا في تشكيل الحكومة وانقلاب الاشتراكيين على زعيمهم أسدل تلك الأفكار.

وقد اتخذ برلمان كاتالونيا قانونا حدد فيه موعد الاستفتاء في الفاتح من أكتوبر 2017 وحدد فيه الإجراءات والمسطرة التي تعقبه، كما سن قانون المرحلة القانونية الانتقالية والمرور إلى الجمهورية، وسارعت الحكومة المركزية إلى خوض معركة قضائية لعدم إجرائه. وبالرغم من نجاحها القانوني والقضائي باستصدارها من المحكمة الدستورية لقرارات بتوقيف الاستفتاء، بدءا باستفتاء 2014، واستفتاء الفاتح من أكتوبر 2017 والإذن القضائي لها باتخاذ إجراءات مادية لمنع تنظيمه، بعد تمادي وإصرار الحكومة الكاتالونية لإجرائها، وبالرغم من تدخل الشرطة الوطنية والحرس المدني لعرقلته ومنعه، فإن ذلك لم يحل دون تنظيم العملية.

ولم يشكل تصريح رئيس الحكومة المركزية بعدم وقوع أي استفتاء لعدم شرعيته أي حرج لكارلوس بويجدمونت، رئيس الحكومة المستقلة لكاتالونيا، بوصف نتائج الاستفتاء بالشرعية وذات المصداقية، ورتب عليه أثرا بإعلانه في جلسة 10 أكتوبر أثناء مثوله أمام البرلمان عن استقلال كاتالونيا عن إسبانيا؛ إلا أن إبهاما لف هذا الإعلان، لأنه أعقبه مباشرة بتعليقه من أجل فسح مسيرة للوساطة الدولية والحوار مع الحكومة المركزية، وهو العرض الذي ترفضه الحكومة المركزية في مدريد، لأنها لا تقر ولا تعترف بوقوع عملية الاستفتاء وبطلان كل إجراءاتها لعدم شرعيَّتها لسبقية إقرار المحكمة الدستورية بعدم قانونيتها وتوقيفه ومنع وقوعه، ولأن الجهة المؤهلة لأية وساطة هو مجلس المستشارين (كغرفة للتمثيل الترابي لكل إسبانيا- المادة 69).

وبعد حصول هذا الإعلان، فإن الحكومة المركزية في مدريد تسعى إلى مواجهته بالمادة 155 من دستور إسبانيا 1978، ومن أجله فهي تطالب رئيس الحكومة المستقلة بتوضيح تصريحه، وإعطاء اليقين حول طبيعة قراره المرتبط بإعلان الاستقلال، دون غموض ولا إبهام، وفِي الوقت ذاته يحشد ماريانو راخوي، رئيس الحكومة المركزية، الأغلبية المطمئنة من أجل هذه المواجهة، عن طريق تواصله المستمر مع باقي الفرقاء.

وقد اتفق مع بيدور سانشيز، رئيس الحزب الاشتراكي، على طريقة العمل، بالمضي في تفعيل مقتضيات الدستور في حالة تأكيد رئيس حكومة كاتالونيا إعلانه الاستقلال، بالإضافة الى توافقهما على تعديل الدستور فيما بعد. والمشاورات نفسها أطلقها مع ألبير ريفيرا، رئيس حزب المواطنة “سيودادانس”، ولا يجد مشقة لإقناع الأخير؛ فهو من المطالبين والمؤيدين جهارا بتطبيق المادة 155من الدستور، والمرور إلى انتخابات برلمانية جديدة في الإقليم.

وغالب الاحتمال أن الحكومة المركزية ستتخذ إجراءات صارمة بتعليق الحكم الذاتي في كاتالونيا والحلول محل الحكومة المستقلة في تسييره، ومن أجله استبقت ذلك بتوجيه مذكرة إلى رئيس حكومة كاتالونيا كارلس بويجديمونت تحثه على الاضطلاع بالتزاماته، وتصحيح الأمر واسترجاع الوضع الدستوري، لأن ذلك يشكل خطرا على تعايش الإسبان.

وتنص المادة 155 من الدستور على أنه إذا لم تنفذ جماعة مستقلة الالتزامات الدستورية أو قوانين أخرى مفروضة عليها، أو تتصرف بشكل خطير على المصلحة العليا لإسبانيا، فإن الحكومة وبعد مطالبة رئيس الحكومة المحلية وفِي حالة عدم الاستجابة، وبموافقة أغلبية أعضاء مجلس الشيوخ، يمكنها اتخاذ التدابير الضرورية لإجبارها على تنفيذ تلك الالتزامات أو لحماية المصلحة العامة. ولتنفيذ تلك التدابير، فإن الحكومة توجه التعليمات إلى كافة السلطات في الأقاليم المستقلة ذاتيا.

وتمضي الحكومة المركزية في مدريد إلى إكراه الحكومة المحلية في كاتالونيا للعودة إلى الوضع الدستوري، وتنفذ مقتضيات الدستور بدقة، وحددت عتبة لرئيس حكومتها كارلي بودجمونت ينتهي في العاشرة من صباح يوم الاثنين 16 أكتوبر 2017.

وصدر عن الأخير تصريح قبل حلول الموعد في ذكرى السبعين لإعدام لويس كومباني، رئيس كاتالونيا السابق، (1934)، يزيد به في الغموض، حيث اعتبر بودجيمنت أن السلام والديمقراطية محددان للقرار الذي سيتخذه؛ فالسلام يرمز به العودة إلى الوضع الدستوري، بينما الديمقراطية يحيل بها إلى احترام نتيجة الاستفتاء كآلية دستورية وتقريرية للتعبير عن الإرادة بشكل ديمقراطي، وقد يستمر عمدا في اعتماد الغموض في جوابه أو عدم الجواب أصلا.

أما العتبة الثانية فهي محددة في يوم الخميس 19 أكتوبر 2017 لإصلاح الوضع واحترام الالتزامات الدستورية، وفِي حالة عدم الوفاء، وهو أغلب الظن الظاهر فإن الحكومة المركزية ستلجأ الى مجلس الشيوخ بواسطة طلب وفقا للمادة 189 من القانون الداخلي للمجلس من أجل الحصول على مصادقته على الصلاحيات التي ترغب في توليها وحدودها. كما أن الحكومة تملك أهلية إعلان حالات الطوارئ والاستثناء ومنع التجوال وفقا للمادة 116 من الدستور.

ولا شك في أن الحكومة المركزية في مدريد لن تتردد في استعمال كل تلك الصلاحيات من أجل حماية مرتكز الدستور الإسباني القائم على قاعدة الوحدة غير القابلة لتجزئة الأمة الإسبانية كوطن مشترك لكل الإسبان غير القابل للتقسيم، كما يضمن الدستور حق الحكم الذاتي للقوميات والجهات التي تؤلفه والتضامن بينهم جميعا (المادة الثانية).

وهذه الشرعية القانونية التي سيتبعها راخوي حتى النهاية يرمي بها تحقيق غاية سياسية أخرى لاستنهاض الأغلبية الصامتة وتحسيسها ورفع وعيها بالمخاطر التي ستواجهها إن لم تقطع الطريق في صناديق الاقتراع على الأحزاب القومية الانفصالية (كوب بوديموس واليسار الجمهوري)؛ وهي شرعية معززة برفض الاتحاد الأوروبي لهذا الاستقلال، حيث رفض جون كلود جانكير، رئيس المفوضية، ذلك، وفي الرفض صادر عن البرلمان الأوروبي، وتطابق وصفهم للأمر بأنه شأن داخلي إسباني، وبأن كاتالونيا ستجد نفسها خارج الاتحاد الأوروبي. غير أن دعاة الانفصال يراهنون بدورهم على شرعية الشارع، لتبقى كل الاحتمالات واردة بما فيها استعمال ردع العنف.

*محام، خبير في القانون الدولي، الهجرة ونزاع الصحراء

By 

Sign In

Reset Your Password