التداعيات المحتملة لعودة المغرب للاتحاد الإفريقي بأمريكا اللاتينية على الصحراء/ أحمد بنصالح الصالحي

صادق الاتحاد الإفريقي بقمته 28 المنعقدة بالعاصمة الأثيوبية أديس أبابا يومه 30 من شهر يناير المنصرم على طلب المغرب العودة إلى ذات الاتحاد رغم العراقيل التي قامت بها عدد من الدول وعلى رأسها الجزائر، وبهذا ينهي المغرب مع سياسة المقعد الفارغ.

إلا أن هذه العودة قد يكون لها على الأرجح ما بعدها و قد تترتب عنها آثار عكسية عابرة للقارات، تحديدا بأمريكيا اللاتينية. فعودة المغرب إلى منظمة الاتحاد الإفريقي بعد مصادقته على ميثاقها التأسيسي ببنوده المثيرة للجدل (2-3-4) قد يترتب عنها مزيد من تدويل النزاع بأمريكا اللاتينية٬ خاصة و أن مواقف أمريكا اللاتينية منذ نشوب النزاع٬ اتسمت تاريخيا بالمواقف المتقلبة و المتبدلة٬ و هذا الأمر قد يعيد على الأرجح النزاع إلى نقطته الصفر.

لماذا بالضبط أمريكا اللاتينية؟ فباستثناء أوروبا المحايدة من نزاع الصحراء رغم مواقف بعض أحزابها اليسارية وآسيا الغير المبالية به و إفريقيا المنقسمة بشأنه و بقية العالم المتذبذب المواقف بخصوصه٬ تعد أمريكا اللاتينية المنطقة الأكثر حساسية تجاه هذا النزاع بعد إفريقيا٬ نظرا لطبيعة أنظمتها السياسية و تاريخ مواقفها. فضلا عن كونها كانت معقلا تقليديا للبوليساريو إلى حدود أواخر تسعينيات القرن المنصرم و مازالت نسبيا اقليما داعما في حدود لطروحاته و مؤيدا بمقدار لمطالبه.

 

خطورة بداية معاملة المغرب و البوليساريو على قدم المساواة بأمريكا اللاتينية

فالأرجح أنه بعد تعزيز المغرب لحضوره بإفريقيا طيلة عقدين من الزمن و توفقه في تحييد مواقف العديد من جمهورياتها من نزاع الصحراء٬ نتيجة لعشرات الزيارات الملكية إلى العديد من الأقطار الإفريقية وتوقيع المغرب للعديد من الاتفاقيات الثنائية مع حكوماتها و إحداث العديد من المشاريع بها٬ يُنتظر من تنظيم جبهة البوليساريو الرفع من منسوب حروبها الدبلوماسية مع المغرب بأمريكا اللاتينية.

أما من بين أسباب امكانية تأثر المغرب المباشرة بأمريكا اللاتينية٬ فتجدر الإشارة إلى بداية بروز ظاهرة الاعتراف بالمغرب و البوليساريو بأمريكا اللاتينية على قدم المساواة و من دون تمييز و في إطار الاعتراف بالجميع. فبعدما كان الأمر منحصرا على المكسيك – ثاني قوة اقليمية بالمنطقة بعد البرازيل – انضافت مؤخرا بنما حيث أقدمت جبهة البوليساريو على اعتماد سفارة لها ببنما شهر يناير 2016، بموافقة الحكومة الائتلافية لبنما (اليمين-الوسط).

عودة المغرب للاتحاد الإفريقي قد تأثر على مواقف أمريكا اللاتينية من نزاع الصحراء
و عمليا٬ فالعديد من الأطراف بأمريكا اللاتينية قد تفهم من عودة المغرب للاتحاد الإفريقي خاصة بعد مصادقته على ميثاقه التأسيسي و تحديدا بنوده المثيرة (2-3-4) بأن المملكة “قبلت تعايشا” مع تنظيم جبهة البوليساريو بذات المنظمة، خاصة إذا استحضرنا تاريخيا بأن مواقف جمهوريات أمريكا اللاتينية تأثرت طيلة نشوب النزاع بالنزعة الأيديولوجية و بموازين القوة الاقليمية و مازالت جزء من سياساتها الخارجية يخضع للتبعية الاقليمية.

لذلك قد تتأثر أمريكا اللاتينية على الأرجح بعودة انضمام المغرب إلى منظمة الاتحاد الإفريقي بحيث قد ترفع عنها مصادقة المغرب على ميثاقها التأسيسي الحرج و قد لن تجبرها على الالتزام بتحفظها من النزاع٬ بحيث قد تقوم بتصريف مصادقة المغرب إلى مسوغ لتبرير إمكانية الاستماع للجبهة و بعدها التفكير بشأن مطالبها و أخيرا قبولها بأمريكا اللاتينية على غرار المغرب و ذلك في إطار معاملة الجميع على قدم المساواة و من دون تمييز.

اعتماد البوليساريو بأمريكا اللاتينية سيترتب عنه تعقب المغرب بهذا الإقليم من العالم

أما اعتبار المغرب و البوليساريو على قدم المساواة٬ فسيستغله خصوم المغرب لحسابهم و سيوظفونه لصالحهم٬ و ذلك بمطالبة أمريكا اللاتينية بضرورة الاعتراف بهم طالما أن المملكة “قبلت تعايشا معهم” بمنظمة قاري،  وإذا ما تم اعتماد تنظيم الجبهة بأمريكا اللاتينية على غرار اعتماد المغرب من دون أية تحفظات أو أية شروط معينة أو مسبقة٬ فإن تنظيم الجبهة قد يعمد كخطوة مستقبلية إلى ملاحقة المغرب بالقارة الأمريكية اللاتينية .

الامكانية أعلاه ستربك حتما حسابات الدبلوماسية المغربية٬ و قد ينتج عنها إما إعادة النظر بمقاربتها للنزاع بأمريكا اللاتينية أو قبولها  بالأمر الواقع٬ كنتيجة عكسية لعدم احتسابها تأثر أمريكا اللاتينية بمصادقتها على ميثاق الاتحاد الإفريقي و عدم تقديرها حجم تأثيرها على النزاع٬ و هذا الأمر سيعد انتكاسة للمغرب٬ بعدما نجح نسبيا طيلة عقدين تقريبا من الجهود الدبلوماسية تحقيق توازن معين بأمريكا اللاتينية٬ ترجح فيه الكفة لصالحه نسبيا.

إمكانية ترقب تحولات بالدبلوماسية المغربية تجاه أمريكا اللاتينية

و إذا أُربكت حسابات المغرب بأمريكا اللاتينية فإن رهانات المغرب قد لن تكون انتزاع تفهم لموقف المغرب (مُستبعد) كونه ينظر إليه بأمريكا اللاتينية على أنه نوع من المحاباة٬ و إنما تفاهم على موقف بين المغرب و أمريكا اللاتينية٬ و ذلك في إطار دبلوماسية الأهداف الجديدة للمغرب المبنية على الأرجح على التكيف مع الواقع الجديد و القائمة على إمكانية مراهنة المغرب على مزيد من الوقت٬ لتليين مواقف أمريكا اللاتينية بشأن نزاع الصحراء.

التحولات المحتملة بمواقف أمريكا اللاتينية من نزاع الصحراء على خلفية مصادقة المغرب على ميثاق الاتحاد الإفريقي بمواده المثيرة للجدل ستدفع المغرب إلى التفكير في إعادة تكييفه لسياسته الخارجية مع هذا الواقع و تغيير ترتيب أولوياته بأمريكا اللاتينية و قد يعمد إلى استهداف الجمهوريات المعترفة بجبهة البوليساريو و جمهوريتها المعلنة من جانب واحد٬ أساسا كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا كوستاريكا وبوليفيا والإكوادور والسلفادور.

إمكانية استهداف المغرب مستقبلا للأطراف المناوئة له تقليديا بأمريكا اللاتينية

التغيير المرتقب بأولويات المغرب بأمريكا اللاتينية قد تدفعه إلى تعزيز تمثيليات دبلوماسية واعتماد آليات للحوار و التشاور السياسي و تكثيف علاقات دبلوماسية مع العديد من الدول المناوئة له تقليديا بالقارة الأمريكية اللاتينية و قد يركز اهتمامه على استهداف تجمع “سيلاك” مستقبلا٬ كاستمرار لسياسته الرامية إلى الانخراط بالتكتلات الاقليمية و الاندماجية الأمريكية اللاتينية٬ و ذلك بصفة مراقب٬ بعدما انخرط مؤخرا بذات الصفة بالعديد منها.

إن تغيير المغرب لترتيب أولوياته بأمريكا اللاتينية٬ إذا بدت له أن مواقف أمريكا اللاتينية قد تصب في غير صالحه٬ قد تكون ايجابية٬ بحيث سيسمح له هذا التغيير بتدارك محدودية دبلوماسيته بأمريكا اللاتينية ورفع منسوب حضوره بها٬ خاصة في ظرفية تتعرض فيها العديد من جمهوريات أمريكا اللاتينية لضغوطات و إغراءات من طرف تنظيم جبهة البوليساريو٬ بهدف إقامة علاقات دبلوماسية معه ومع جمهوريته المعلنة من جانب واحد مثلما يحدث الآن في برلمان البرازيل الذي يضغط على الرئاسة للاعتراف بالجمهورية التي أعلنها البوليساريو.

الحكومات الأمريكية اللاتينية تُحجم عن الترحيب بعودة المغرب للاتحاد الإفريقي

أما الملاحظ إلى حدود صياغة هذه المقالة عدم ترحيب جمهوريات أمريكا اللاتينية بعودة المغرب إلى منظمة الاتحاد الإفريقي سواء عبر بلاغات حكومية لوزاراتها الخارجية أو تصريحات رسمية لوزرائها٬ خاصة من قبل كبار أصدقاء المغرب بأمريكا اللاتينية٬ أساسا التشيلي والبرازيل والأرجنتين باعتبارها جمهوريات لم تعترف قط بتنظيم جبهة البوليساريو و جمهوريتها المعلنة من جانب واحد و ذلك منذ نشوب النزاع سنة 1976.

الملاحظ أيضا أن الوكالات الإخبارية الأمريكية اللاتينية لم تتحدث عن حدث عودة المغرب إلى المنظمة الأفريقية٬ إلا أن بقية تغطية مختلف منابرها الاعلامية لذات الحدث لم تقم فقط بإدراج قصاصات وكالات الأنباء الدولية (المحايدة) و إنما قامت بإضافة تصريحات أطراف إفريقية تعد خصوما للمغرب و أوردت قراءات أطراف منحازة٬ مثلما اعتمدت على قصاصات وكالات لها خط تحريري منحاز من النزاع٬ كوكالات أنباء كوبا و الجزائر.

أمريكا اللاتينية التحد الآخر على الأرجح للدبلوماسية المغربية بعد أفريقيا

لقد عاد المغرب رسميا سنة 2017 إلى الاتحاد الإفريقي بعد غياب دام 33 سنة٬ وذلك منذ سنة ٬1984 احتجاجا على قبوله عضوية “الجمهورية الصحراوية” المعلنة من جانب واحد من طرف تنظيم جبهة البوليساريو٬ و بذلك قد يكون المغرب٬ باستحضار التداعيات  المحتملة لذلك بأمريكا اللاتينية٬ قد فتح بابا سيصعب عليه غلقه، خاصة و أن “قبوله تعايشا” مع الجبهة قد يصبح مقياسا مرجعيا يُعتمد عليه بأمريكا اللاتينية و هذا أمر خطير للغاية.

وبالنهاية، يجب استحضار أن مواقف العديد من جمهوريات أمريكا اللاتينية من نزاع الصحراء ليست ثابتة، حيث سبق و أن اعترفت بتنظيم جبهة البوليساريو و جمهوريتها المعلنة من جانب واحد٬ ثم علقت الاعتراف٬ ثم أعادته٬ ثم جمدته٬ ثم اعترفت من جديد مثل حالة بنما،  وبذلك فإنها مازالت رقما بالغ الأهمية بمعادلة نزاع الصحراء٬ إلا أن الاستفهام المطروح فهو: هل ستصبح أمريكا اللاتينية بالأمد المتوسط التحد الآخر للدبلوماسية المغربية بعد أفريقيا؟

أحمد بنصالح الصالحي: مهتم و متتبع للعلاقات المغربية-الإسبانية و المغربية-الأمريكية اللاتينية

مقالات ذات صلة

By 

Sign In

Reset Your Password