الترجمة في العالم العربي بمشكلاتها الثلاث/علي نجيب إبراهيم

إشكالات الترجمة الأدبية في العالم العربي

 

مثلما أن كثرة المترجمین لا تصنع حركة ترجمة، كذلك لم تُعد كثرة الأسئلة حول ما ینبغي أن نترجمھ إلى اللغة العربیة وكیف نترجمھ، كافیة  لدراسة المشكلات الحقیقیة التي یُعاني منھا ھذا الاختصاص على امتداد عالمنا العربي، وإن بدرجات متفاوتة. علّة ذلك أن ممارسة الترجمة شيء، ووعي وظیفتھا وعیاً علمیاً شيٌء آخر. ولعل من یتأمل جداول أعمال مؤتمرات الترجمة التيُعقدت ھنا وھناك خلال العقود الماضیة،  یلاحظ ببساطة تكرار المحاور والقضایا بصیغ مختلفة. وإن دّل ھذا على شيء فإنما یدّل على حركة متعثّرة تُدِّوم في مكانھا بحثاً عن مجرى یندفع فیھ تیّارھا، ولاَمْنفذ. فما السبب أو الأسباب الكامنة وراء ھذا التعثُّر، وما مظاھره التي تجعل منھ مشكلاتُمعقّدةُملَّحة توجب البحث، والنظر، وتلُّمس الحلول ؟

تجدر الإشارة قبل تحدید بعض ھذه المشكلات إلى اطّراد العلاقة بین حركة الترجمة وحركة الفكر والثقافة في المجتمع. ولما كانت اللغة عصب ھذه العلاقة، فإن ما یطرأ على أّي مقِّوم من مقومات الحركة سینعكس حتماً على المقِّومات الأخرى، وخصوصاً على الُمقِّوم اللغوي. فلو فّكرنا مثلاً بخصائص النھضة العربیة الحدیثة لاكتشفنا أن نواة النھوض والانطلاق في مواكبة العصر بدأت بتحریر اللغة العربیة من الجمود، وبالتالي بتحریر الفكر، والذات أیضاً. وما كانت شرارة الانطلاق لتنطلق أصلاً لولا الترجمة التي أفضت، رغم الظروف والقیود والعوائق كلھا، إلى تكوین اللغة العربیة الحدیثة التي نعرفھا الیوم. مما یعني أن حركة الترجمة في العالم العربي استطاعت، في فترة معیّنة، أن تشّق مجراھا، وأن تُجِّسد فعلاً حیویاً في میادین الحیاة كافة. لیس من داٍع، بطبیعة الحال، لأن نُكِّرر الحدیث، في ھذه الُعجالة، عن منجزات فترة التنویر التي امتدت بین الطھطاوي وطھ حسین. فھذا معروف. غیر أن السؤال الُملِح یدور حول العامل أو العوامل التي سّدت مجرى ھذه الحركة، وخلقت ھذه المشكلات التي تُربِكھا، وتكاد تُحِّولھا إلى عطالة؟

سنحدد ھنا ثلاث مشكلات متقاطعة ومترابطة عضویاً: المشكلة الأولى نابعة من أن الترجمة لا یُمكن أن تكون موضوع جھد فردي، بل ھي مشروع جماعي یستجیب لحاجات اجتماعیة كبرى تتصل  بثقافة وطن، وفكره، وحیاتھ الروحیة. إنھا المجال الذي تستنفر فیھ الذات كامل طاقاتھا من أجل الجماعة. لذا یستحیل أن تنشأ حركة ترجمة غیر

مرتبطة بمشروع متكامل: الطھطاوي من خلال كتابھ الاستكشافي «تخلیص الإبریز في تلخیص باریس»، ومنھجھ التربوي، وتجدیده اللغوي في كتاب «التحفة المكتبیة في تقریب اللغة العربیة»، وطھ حسین من خلال مذھب الشك الذي تلازم مع كتبھ وخصوصاً مقالاتھ النقدیة المتضّمنة في «حدیث الأربعاء»، ومقّدماتھ لمؤلّفات أدباء عصره وُمترجمیھ، ومشروع مصطفى زیوار في تأسیس قسم التحلیل النفسي في جامعة عین  شمس، وموازاتھ بحركة ترجمة ناشطة من خلال «لجنة الترجمة والتألیف والنشر» التي برعت في مشروعاتھا أقلام كبار المفّكرین والمترجمین والكتّاب الذین یضیق المجال عن ذكر أسمائھم. ولعل عدم ارتباط الترجمة بمشروع كمشروعات عصر النھضة، یؤدي إلى تولید

أسئلة إنشائیة لا جدوى منھا كأن نتساءل مثلاً عّما إذا كانت الترجمة مرتبطة بشعریة المعرفة أم بفائدتھا أم بذرائعیتھا، أو عما إذا كانت الترجمةخیانة أم لا، أو عن صفات المترِجم الناجح ؟ لأن في مثل ھذه الأسئلة الدلیل على الدوران في حلقة مفرغة، لا بل على انحراف الغایات الناتج عنالحیاة – الترجمة في العالم العربي بمشكلاتھا الثلاث تبعثر الجھود وعدم انتظامھا ضمن حركة جماعیة متكاملة.

لكّن ثمة ما یبعث الأمل في مشروعات منظمات عربیة ولیدة تُعنى بھذا الجانب كالمنظمة العربیة للترجمة، ومؤسسة ترجمان، في بیروت،وغیرھما.

المشكلة الثانیة: افتقار الترجمة عندنا إلى روح المنظومة التي تُحّدد خصائصھا، وتُصنِّف مجالاتھا، وتُرسي قواعد جھازھا الاصطلاحي. وبغیرذلك لا یمكن أن یكون لھا كیان ولا تاریخ یسمح بمعرفة سیاقھا، ورصد إنجازاتھا. فمشروع النھضة الذي جاء، في المحّصلة، نتیجة جھود جبارة غالباً ما أعطت ثمارھا التي نتلّذذ بمذاقھا الیوم، یصلح أن یكون قاعدة لبناء ھذه المنظومة وتحدید اتجاھاتھا النظریة والتطبیقیة، التي تُقاس علیھا التجارب السابقة واللاحقة. ومع ذلك، لا نزال نتناولھا ضمن الإطار العام لعوامل النھضة العربیة الحدیثة من دون أن نتنبّھ إلى حضور الترجمة حتى في أكثر ظروف حیاتنا خصوصیة. وھكذا تُسِھم سھولة الاتصال والحصول على المعلومة في إعاقة عملیة مواكبتنا للعصر

الذي نعیش فیھ مواكبةً منتجة لا منفعلة وتابعة.

والحال أن رسم حدود ھذه المنظومة ھو الذي یسمح بإیجاد نظریة أو نظریات ترجمة تنتظم داخلھا جھود الأفراد والمنظمات العاملة ضمن مجالھا الدقیق الواضح. وبھذه الطریقة نكّف عن الاعتماد شبھ الكامل على النظریات الوافدة وتطبیقھا على متون غریبة عنھا إلى ھذا الحّد أو ذاك. وما إن نمتلك الأسس النظریة حتى نشرع في تكوین أجیال المترجمین تكویناً یتخطّى معاییر المھنة لیصیر فعلاً خلاقاً.

تتصل المشكلة الثالثة، المتفّرعة عن السابقة، بمدى تأثیر فعل الترجمة في الواقع. إذ غالباً ما یظھر ھذا التأثیر بشكل غیر مباشر، ویعطي انطباعاً بأن ھناك ثباتاً في قضایا الترجمة التي لا تزید عن تحقیق شروط معینة لا بُّد من توافّرھا في عناصر فعل الترجمة الثلاثة التي یتوسطھا المترجم. وربّما كان ھذا وراء عدم قدرة النصوص الُمترَجمة على شحذ فعل التفكیر وتحریضھ على إنشاء متون عربیة بالانطلاق من المتون الأجنبیة الُمترَجمة، والشروع في ضبط المبادئ الأساسیة لمنھج تحلیل نظري قابل للتعمیم والتطبیق على حّد سواء. ذلك أن العرب یُترجمون ولا یُدرجون المتون المترجمة في أنساق التعلیم المدرسي والجامعي وما بعد الجامعي، فتتراكم الترجمات المعروضة على القراءة الحّرة التي تنحسركّل یوم أمام وسائل المعلوماتیة، وتقنیاتھا المتطّورة، وتؤول بالكّم المترَجم إلى سلعة تكتوي بقانون السوق الذي یقّل فیھ الطلب ویُِطّل فیھ  العرض على شبح الكساد.

انطلاقاً من المشكلات الثلاث السابقة، یغدو تأسیس نقد الترجمة العربیة أمراً منطقیاًُملّحاً یُعید إطلاق حركتھا في المجرى العام لحركة الفكر والثقافة العربیّین. لأن نقد الترجمة وحَده ھو الخلیق بأن یسبر أعماق النصوص العربیة، ویُبین نقاطھا الإیجابیة والسلبیة قبل أن ینظمھا ضمن أنساقھا المعرفیة المتنّوعة. ولعّل اختبار وظیفة استعمال إنتاج الترجمة في المجتمع أن تكون المھمة الأجدى التي ینبغي أن یضطلع بھا ھذا النقد المستقِّل عن النقد الأدبي، أو الذي لا بُد من أن یكون مستقلاً عنھ. فحینئٍذ فقط تُصبح الترجمة حركةً وفعلاً یعیشھما المترجم في الصمیم ویحقّق من خلالھما تطلُّعھ إلى ابتكار نّص عمیق وُممتع في آٍن معاً.

By 

Sign In

Reset Your Password