التكنولوجيات الناشئة… مفترق طرق و صراع فلسفي حتمي في وجه البشرية – فيصل الفرطاخ

نعيش اليوم و في جيوبنا أكثر من 6 مليار هاتف متنقل. نكاد ننسى أن في يوم من الأيام في الماضي القريب كنا نستعمل البريد و التلغراف لنقل الأخبار و الرسائل. هذا التطور التكنولوجي يعد شيئا ايجابيا بطبيعة الحال فهو عمليا يقربنا و يسهل لنا اعمالنا. لا شك في ذلك. لكن هل ذلك كل شيء يمكن أن يقال عن الطفرة التكنولوجية التي نعرفها منذ عقود قليلة؟  في السنوات القليلة المقبلة سنشهد على مرحلة تاريخية ذات أبعاد و تداعيات لم يسبق أن كان لها مثيل في تاريخ البشرية.

“القصة”

jp1

انها السادسة إلا ربع صباحا من أيام ربيع سنة 2025. يستيقظ بعد 480 دقيقة نوم -لا أقل و لا أكثر و الفضل يرجع للرقاقة المتناهية الصغر المزروعة في دماغه. لا يشغل باله، فلائحة وجبة الفطور لهذا اليوم سيجدها على شاشة الثلاجة الذكية. الروبوت الموزع لمرجان سيأتي بأمر من الثلاجة على الساعة 10:38 عندما يكون قد غادر المنزل ليتوجه إلى المطار في رحلة عمل إلى لشبونة. ما عليه إلا التأشير له بالدخول عبر شاشته البصرية عند توصل دماغه بالإشعار. رمشة عين واحدة للتأشيرة و رمشتان على اليسار لفتح الباب. لا يهتم بجواز السفر، فسيحتاج فقط إلى بصمة عينه في المطار. في العمل يشغل الشاشة الإفتراضية ذات البعد الثلاتي و يتحاور بلسانه مع نظرائه بالبرتغالية رغم عدم معرفته بأية كلمة منها و الفضل يرجع للرقاقة المتناهية الصغر المزروعة في دماغه التي تشغل برمجية ترجمة.

إنه وقت الغداء. دماغه يشعره بأن جسمه يحتاج إلى فيتامين ب 12 عبر شاشة قزحيته التي يرى من خلالها اختيارات من ضمنها وجبة السردين. لا يتعب نظرائه بالأسئلة… يقوم فقط برمشتان على اليسار و تطلب الوجبة تلقائيا من أقرب مطعم رصده البرنامج. بعد العمل يشتري من الإنترنت باقة ورد افتراضية و يرسلها لزوجته عبر التراسل الذهني التلقائي لترى الباقة أمام أعينها و تشتم رائحتها. ستقوم الزوجة بعد ذلك بحضنه عبر حركة لم ذراعيها حول قميصها ليصل الإحساس عبر الرقاقة المتناهية الصغر المزروعة في دماغه. إنتهى اليوم و لم تنتهي القصة.

من الخيال العلمي إلى الواقع

كل ما سبق ذكره ليس قصة أو خيالا علميا أو تنبؤا بل حقيقة فعلية و كل ذلك فات المراحل التجريبية. و الأكثر من ذلك هو أنه في السنوات القليلة المقبلة سنشهد على مرحلة تاريخية ذات أبعاد و تداعيات لم يسبق أن لها مثيل في تاريخ البشرية.

ديمتري إتسكوف يتوقع أنه في العام 2045، الإنسان سوف يكون قادرا على تحميل نسخته إلى سحابة. نعم، انه يعتقد أن تكون قادرا على إنشاء نسخة رقمية من الوعي الإنساني الخاص بك، وتخزينها في دماغ اصطناعية على السحابة. إتسكوف هو رجل أعمال، قطب إعلامي و ملياردير روسي، يخطط للعيش إلى الأبد و للتحويل الرقمي للوعي البشري و الإعتماد على الصور التجسيمية أو الذواكر الهولوغرافية. يدعى مشروعه “مبادرة 2045”.

إتسكوف ليس هو الوحيد في أحلامه بل يشاركه الطموح الكثيرون من المستثمرين و العلماء في العديد من المجالات البيو-تكنولوجية. لكل واحد منهم تصوراته. أكثر من ذلك، لكل واحد مشروعه و الكل منهمك لإتمام مشروعه. فهنالك من يعمل على زرع ذكاء إصطناعي لكي لا نحتاج إلى مدرسة، كما هنالك من هو منكب على توفير التجميد العميق للجسد الميت بحيث يمكن احيائه في المستقبل عندما تتوفر التكنولوجيا اللازمة للإحياء بعد التجميد. ثم هنالك علماء طالبو قبل عدة اسابيع بإنتاج أول جينوم بشري إصطناعي بحيث يصبح ممكنا إنتاج نسخة كاملة منك لإستعمالها كقطع الغيار عند الحاجة. في الحقيقة مطالبتهم تهم الشق القانوني.

من بين المنظرين الأساسيين نجد راي كورزويل و الذي يختص في ما يسمى ب”ما بعد الإنسانية”. من أهم كتبه “عصر الآلات الروحية” سنة 1999. كورزويل يدعي انه واثق من أنه سيكون لدينا خيار لقضاء بعض من وقتنا في البيئات الافتراضية 3D التي تظهر واقعية بالضبط مثل الواقع الحقيقي قبل 2025. كما يتنبأ بروبوتات مستوى النانو (متناهية الصغر) لكي تقوم باعمال خاصة كجراحة الأعصاب أو القيام بعمليات دقيقة على الخلايا داخل جسم الإنسان. يطمح كورزويل أيضا لخلق وعي في الانظمة الاصطناعية. ليس غريبا إذن أن نرى كورزويل يشغل حاليا منصب مدير الهندسة لدى جوجل.

إذا كان كورزويل منظرا ذو طموح فريد و منصب مدير فهناك من هو أكثر حدة منه. على رأس القائمة نجد إيلون ماسك المخترح و البليونير المستثمر و صاحب العديد من الشركات التكنولوجية العملاقة. ماسك هو رئيس شركة طيسلى موتورز للسيارات الكهربائية و سبيس إكس لتكنولوجيا الفضاء كما أنه من مؤسسي باي بال للأداء الإلكتروني. من بين طموحاته “تسهيل الحياة الإنسانية على كواكب متعددة”. مؤخرا، دافع عن المشي قدما بزرع الرقائق (يسميها هو “الاربطة العصبية”) لكي تنسجم و تتعايش الألات مع البشر بصفة خالصة.

هذا عظيم… أين هو الإشكال؟

من الناحية النظرية لا يوجد هنالك أي اشكال في تقبلنا كأفراد و كمجتمعات إنسانية أشياء تهدف إلى تحسين و تسهيل ظروف العيش. فمن منا سيرفض أن يتكلم عفويا بأية لغة دون تعلمها؟ من منا سيرفض أن يجري له نانو روبوت عملية كاملة الدقة في جسمه إذا كان ذلك سيشفيه؟

الأمر يختلف من الناحية العملية بحيث تطرح عدة اشكاليات أخلاقية و قانونية. كيف لشخص أن يحمي نفسه من قرصنة الرقاقة و التحكم فيها عن بعد من طرف جهة غير معلنة خاصة إذا كانت الرقاقة تقوم بدور طبي داخل الجسم؟ ماذا عن تحكم البرنامج في العقل البشري؟ كاتب روايات الخيال العلمي إسحاق أسيموف كان قد نشر “قوانين الروبوتية الثلاثة” سنة 1942 (لا يجوز لآلي إيذاء بشريّ أو السكوت عما قد يسبب أذًى له، يجب على الآلي إطاعة أوامر البشر إلا إن تعارضت مع القانون الأول، يجب على الآلي المحافظة على بقائه طالما لا يتعارض ذلك مع القانونين الأول والثاني.) و ها نحن نصل إليها واقعيا. منذ 2007 و كوريا الجنوبية تطبق قانون يحمي الطرفين (الإنسان و الآلة) لكي لا يستغل احدهم الآخر.

الدول الكبرى تطور في الجندي الأمثل منذ مدة… في الواقع يمكن أن نسميه الجندي الآلة لدرجة أنه سيصعب التفريق بين الجندي و الآلة. هنالك سباق تسلح في هذا المجال.

ماذا إذن؟

ماذا عن الرياضة؟ كيف لعداء محرر جينيا (عضلات و طول على المقاس) أن ينهزم أمام عداء طبيعي؟ على ذكر التحرير الجيني، كم عدد الآباء الذين سيختارون أعين برتقالية لأولادهم؟

ماذا عن الدين و موقفه؟ نعلم أن كل الديانات بدون إستثناء تقدس الخلق الإلهي للبشر. منطقيا، كل الديانات لن تقبل بهجين بشري- آلي. هل هذا معناه أننا سنشهد تحالفا دينيا ضد بعض التكنولوجيات الناشئة؟ حتما ستصل البشرية إلى مأزق بين رافض و مرحب و ستكون مواجهة لم يرى لها التاريخ مثلا من قبل.

في الحقيقة، مزج الإنسان البيولوجي الحي مع الآلة لخلق هجين خارق يتحدى الطبيعة يبقى طموح العديد مما يدفع الكثيرين (من بينهم علماء رائدٌون) إلى مواجهة الفكرة بحجة أن القرار هو قرار البشرية جمعاء و ليس حفنة من المستثمرين المغامرين بمستقبل البشرية أو من بعض السياسيين الفاسدين. من الحجج كذلك أن هذا سيؤدي إلى نوع جديد من طبقية ذات نوعية جديدة، إذ أنه من المنطقي أنه في حالة ما إذا توفرت هذه التكنولوجيا فالأغنياء هم من سيكونون السباقين إلى الحصول على عقل هجين متفوق في الذاكرة و الحساب لهم و لأولادهم مما سيدفع البشرية إلى عبودية جديدة لأن الوقت لن يسمح للضعفاء و الرافضين باللحاق بالركب.

  • فيصل الفرطاخ – محرر، إداري و عضو سابق في لجنة التحكيم بالنسخة الانجليزية لويكيبيديا
By 

Sign In

Reset Your Password