الحركات القومية في الغرب من كتالونيا الى كاليفورنيا قنابل داخلية بدون تأثير خارجي

صورة افتراضية معبرة عن انفصال كاليفورنيا عن الولايات المتحدة

تفاجأ الرأي العام في العالم العربي بملف كتالونيا الراغبة في الانفصال عن اسبانيا والتي أجرت استفتاء تقرير المصير الأحد الماضي فاز فيه أنصار الاستقلال. واعتبر الكثيرون أن الظاهرة وليدة السنوات الأخيرة، لكن التاريخ يكشف تجدر مطالب الحركات القومية في كتالونيا وباقي اسبانيا بل وفي الغرب بشكل قوي بما فيه الولايات المتحدة، لكن هذه الظاهرة تغيب في الاعلام العربي بشكل ملحوظ، هذا الاعلام الذي مازال حبيس أحداث الخريطة العربية عموما.

وغياب التحاليل والمقالات حول كتالونيا والحركات القومية الراغبة في الاستقلال في دول الغرب يعود الى طبيعة أجندة الاعلام العربي بشقيه الرسمي أو التجارب الحرة. والإعلامي العربي مثل المبدع العربي وخاصة المقيم في الغرب. وسواء المقيم في العالم العربي أو في العرب يهتم فقط بما يجري في الخريطة العربية من تطورات بينما باقي الأحداث ينقلها عن وكالات الأنباء. وهذا عيب كبير خاصة للإعلاميين المقيمين في الغرب، حيث يلاحظ غياب مهول في متخصصين في قضايا دولية مثل الشأن الداخلي في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا ضمن دول أخرى. ويتم الاقتصار على سياستها الخارجية ولاسيما تلك التي تهم العالم العربي، ويجري التركيز على قضايا داخلية في مناسبات محدودة مثل الانتخابات التشريعية أو الرئاسية. وهذا الغياب بالاهتمام بالشأن الداخلي للغرب، جعل الاعلام العربي قاصرا على فهم الكثير من القرارات الخارجية أو منعطفات منها البريكسيت البريطاني وانتخابات دونالد ترامب في الانتخابات الأمريكية وأخيرا ملف القوميات مثل كتالونيا.

والاقتصار على العالم العربي لا يقتصر فقط على الإعلامي بل يتعداه الى المبدع أكان روائيا أو شاعرا أو فنانا تشكيليا، ونجد روائيا يعيش في الغرب وهو يستمر في الكتابة عن العالم العربي بدون اهتمام بجعل فضاء روايته وشخصياتها غربية. ويتكرر الأمر نفسه مع الفنان التشكيلي الذي يعيش في كبريات العواصم الغربية ولكنه مازال يرسم أزقة المدن العربية.

وعلاقة بملف كتالونيا، فهو عنوان مطامح الانفصال أو الاستقلال في عدد من دول الغرب، ويتعلق الأمر بظاهرة ذات جذور تاريخية تظهر بين الحين والآخر الى مستوى أن أغلب الدول الغربية تشهد مطالب استقلالية لمناطق إثنية معينة.

وتبقى اسبانيا الدول الغربية التي تسجل مظاهر بارزة لهذه الظاهرة لسببين، الأول وهو استعمال الإرهاب من طرف إيتا، مما جعلها حاضرة دائما في الاعلام الدولي، وثانيا قرار تسريع حكومة الحكم الذاتي في كتالونيا للاستقلال عن اسبانيا، وهذا ما جعلها تحضر في الاعلام الدولي مثل حالة الاستفتاء يوم الأحد الماضي.

ولائحة الحركات القومية في الغرب كثيرة، وتبرز بين الحين والآخر بسبب تظافر عوامل سياسية واقتصادية أو وقوع أزمات، وتصبح حدثا دوليا. وإذا كان هناك اهتمام في حده الأدنى بالشأن الداخلي للغرب في الاعلام العربي، لما كانت هذه الحركات حدثا مفاجئا للرأي العام العربي

ونجد في اسبانيا، ملفات قومية إقليمية أخرى شائكة، فبلد الباسك يرغب في الانفصال نهائيا عن اسبانيا ويعتبر الثلاث سنوات المقبلة حاسمة، كما تنتعش القومية في إقليم غاليسيا.

وفي حالة الانتقال الى فرنسا، وهي الدولة المعروفة بمركزية سلطتها الوطنية، فهي تشهد مطالب الحركة القومية في كورسيكا التي تنادي بالانفصال عن فرنسا، وكانت بعض الحركات القومية في هذه الجزيرة تلجأ الى العنف حتى الأمس القريب. وغير بعد عن المنطقة، ونعني إيطاليا، يشهد هذا البلد الأوروبي بدوره بعض الحركات القومية الانفصالية القومية في الشمال على رأسها رابطة الشمال التي ترغب في تأسيس دولة جديدة تحت اسم “بادانيا”. وتعاني الدولة التي تحتضن مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بلجيكا، بدورها عملية انفصال حثيثة، إذ يرغب الشمال المتحدث اللغة الفلامانية والمعروفة بفلاند الانفصال عن الشق الفرانكفوني الذي يتحدث اللغة الفرنسية.

وتابع الرأي العام العربي منذ ثلاث سنوات استفتاء اسكوتلندا الراغبة في الانفصال عن بريطانيا، وهو عنوان من عناوين التطاحن القومي التاريخي في الجزر بريطانيا الكبرى، ومرشح للتكرار خلال السنوات الأخيرة بحكم رغبة ساكنة اسكوتلندا في الانفصال.

وإذا قطعنا المحيط الأطلسي، مازالت المشاعر القومية الراغبة في انفصال إقليم كبيك عن باقي كندا متأججة. فقد شهد الإقليم استفتاء للرأي سنتي 1980 و1995، وفاز الوحدويون بفارق ضعيف للغاية. ويرغب حزب كبيك الى استفتاء جديد خلال السنوات المقبلة.

وفي الولايات المتحدة التي تبدو دولة متماسكة سياسيا ليس كذلك، توجد حركات قومية قوية في بعض الولايات تهدد بالانفصال. وقد ساهم وصول دونالد ترامب الى الرئاسة في هذه تعزيز هذه المشاعر. وكتب الاعلام العربي عن رغبة كاليفورنيا في الانفصال بعد فوز ترامب، ولكن بدون التعمق في هذه النقطة. ومن ضمن التعابير السياسية الأكثر تداولا في كاليفورنيا وهي كالكسيت، أي إجراء استفتاء تقرير المصير للبث في الجمهورية الكاليفورنية. ويناضل دعاة الاستقلال عن الولايات المتحدة من أجل استفتاء تقرير المصير ملزم سنة 2019. ويتكرر السيناريو نفسه في ولاية تكساس التي تعتبر الأكثر راديكالية في شأن الانفصال عن باقي الويات المتحدة، حيث توجد بها حركات قومية وعلى رأسها الحركة القومية لتكساس التي ترغب في الانسحاب من اتحاد الولايات المتحدة. وانتعشت المشاعر القومية في كل من ولايتي ألاسكا وهاواي للانفصال عن الولايات المتحدة.

وجود أحزاب قومية راغبة في الاستقلال هي من سمات المشهد السياسي في الغرب، ويحدث أن تبرز أحيانا وتخفت في مناسبات أخرى، لكنها حاضرة وقادرة على إحداث تغييرات داخلية ولكن بدون إحداث تغييرات جوهرية لأن الأقاليم التي قد تنفصل ستبقى ضمن منظومة الغرب ولن تنضم الى منظومات منافسة مثل روسيا أو الصين مستقبلا. وتعتبر الحركات القومية في الغرب قنابل داخلية ولكن بدون تأثيرات أو شظايا خارجية.

By 

Sign In

Reset Your Password