السلطة المغربية والاغتيال في القرن 20: اغتيال الكتاني في النصف الأول منه والمهدي بن بركة في النصف الثاني

المهدي بن بركة

حلت منذ أيام ذكرى مرور نصف قرن على عملية اغتيال أحد شهداء اليسار المغربي والعالمي المهدي بن بركة دون تقدم في معرفة الحقيقة الكاملة لوقائع هذه الجريمة. وتبقى الحقيقة الجلية التي لا ينكرها أحد هي مسؤولية أطراف متعددة وعلى رأسها الملك الراحل الحسن الثاني وأجهزة استخبارات عالمية منها الموساد الإسرائيلي.

وهذه الجريمة هزت المجتمع المغربي خلال الخمسين سنة الأخيرة، تعتبر ثان أبشع جريمة يتورط فيها النظام المغربي بعد جريمة أخرى وقعت في بداية القرن العشرين، واهتز لها حينئذ المجتمع المغربي والاسلامي. ويتعلق الأمر بجريمة اغتيال السلطان المولى عبد الحفيظ سنة 1909 للعلامة والفقيه الشهير محمد عبد الكريم الكتاني الذي نصحه بعدم التوقيع على اتفاقية الحماية، وهو المصطلح المستعمل للتخفيف من اتفاقية الاستعمار التي وقعها هذا السلطان. وبين الجريمتين هناك العشرات من الجرائم السياسية الأخرى شهدها المغرب.

وعمل السلطان المولى عبد الحفيظ وقتها على دفن الكتاني في قبر غير معروف للتستر على هذه الجريمة وتفادي غضب المغاربة، فلا توجد جريمة بدون جثة. وهنا تشترك حالة المهدي بن بركة مع حالة الكتاني أي غياب الجثة لتبقى معالم الجريمة غير معروفة لكنها تستمر في التاريخ. ويشتكر الكتاني وبن بركة في الإصلاح السياسي والكرامة للمواطنين في مواجهة السلطة، الأول من زاوية دينية والثاني من زاوية سياسية محضة، ويشتركان ضد رغبتهما في مسؤولية المؤسسة الملكية في اغتيالهما السياسي.

ولفهم وقائع اغتيال المهدي بن بركة يجب استحضار نشاطه السياسي في سياقين، الأول وهو السياق المغربي، والثاني وهو السياق الدولي في ظل حرب باردة شرسة. وتحول المهدي بن بركة منذ أوائل الستينات الى دينامو سياسي حقيقي مغربيا ودوليا، ومعه الى خطر يهدد مصالح جهات مغربية ودولية كذلك.

 أطروحاته المناهضة للإستبداد في المغرب خاصة بعد مرحلة الجفاء مع القصر ومغادرته المغرب في بداية الستينات بعد محاولة الاغتيال الأولى التي تعرض لها، جعلت الملك الراحل الحسن الثاني يعتبره خطرا حقيقيا على العرش العلوي. فقد كان الشغل الشاغل لهذا الملك هو احتواء زعماء الحركة الوطنية الذين طردوا المستعمر الفرنسي والإسباني أو تغييبهم وتهميشهم خاصة بعد أحداث الدار البيضاء الشهيرة في مارس 1965. وهذا يفسر غياب الحوار التاريخي بين هذا الملك وسياسيين من طينة زعيم الاستقلال علال الفاسي والأمين العام للحزب الاشتراكي عبد الرحيم بوعبيد وأول رئيس حكومة يسارية في المغرب عبد الله إبراهيم.

ومن المآخذات على الملك الراحل هو اعتماده على متعاونين مع الاستعمار الفرنسي وتهميشه للوطنيين وكأن العرش العلوي يقوم في جزء منه على الخونة. ومسؤولية الحسن الثاني في عملية الاغتيال واضحة، فكل المتهمين والذين صدر حكم عليهم غيابيا مثل الجنرال الشهير محمد أوفقير أوفقير هم من المساعدين الرئيسيين للصف الأول للملك الراحل. علاوة على هذا، كان القضاء المغربي قد حكم بالإعدام على المهدي بن بركة، وكل ما فعله النظام المغربي وقتها هو تطبيق الحكم خارج القانون بمساعدة أطراف دولية.

ومن جانب آخر، كان المهدي بن بركة خطرا دوليا على المعسكر الغربي، فقد كان رئيس لجنة “مؤتمر القارات الثلاث” الذي كانت ستحتضنه العاصمة الكوبية هافانا سنة 1966 ويجمع رؤساء دول وحركات تحرر مناهضة للإمبرالية، وهو أول مؤتمر من هذا النوع لمواجهة الغرب. وشكل بن بركة دينامو التواصل بين قيادات مثل المصري جمال عبد الناصر والكوبي فيدل كاسترو وزعماء آخرين مما أكسبه صفة زعيم اليسار العالمي. وبالتالي، كان هذا سببا كافيا لقيام أجهزة مخابرات عالمية على تغييبه من الساحة السياسية الدولية.

وغاب المهدي بن بركة يوم 29 أكتوبر 1965، وتوجد روايات كثيرة حول اختفاءه، كما صورت أفلام وثائقية وسينمائية وصدرت عشرات الكتب عن الاغتيال ويستمر القضاء في التحقيق. وأبرز رواية حتى الآن هي رواية اغتياله خلال عملية التعذيب في منزل في ضواحي باريس على يد الجنرال محمد أوفقير والكولونيل أحمد الدليمي ودفنه في ضواحي باريس أو تذويب جثته في الأسيد.

وتناول الباحث الإسرائيلي في شؤون الاستخبارات رونين بيرغمان في كتابات له خلال مارس الماضي ملف تورط الموساد الى جانب المخابرات المغربية في اغتيال المهدي بن بركة، ويعتبر من ضمن الملفات الأكثر حساسية التي واجهتها الموساد. ويتحدث كيف ساهم الموساد في دفن الجثة وتوفير جوازات سفر للمتورطين المغاربة. في الوقت ذاته، هناك روايات حول دور المخابرات الفرنسية والأمريكية.

مر نصف قرن على مقتل المهدي بن بركة، ويستمر الغموض يلف هذا الملف. فقد بعث الملك محمد السادس برسالة الى ندوة نظمها رئيس الحكومة المغربية الأسبق عبد الرحمان اليوسفي يوم الجمعة الماضية، وأثنى فيها على المهدي بن بركة. ورحبت عائلة بن بركة بالرسالة ولكنها تنتظر من الملك خطوة شجاعة بالكشف عن وقائع الاغتيال.

في الوقت ذاته، رغم مرور نصف قرن، تستمر وزارة الدفاع الفرنسية في رفض رفع السرية الكاملة عن ملف المهدي بن بركة كاملا رغم إلحاح القصاء الفرنسي. ويفهم من هذا الموقف أن وزارة الدفاع تتخوف من تضرر مصالح فرنسا في حالة الكشف عن الوقائع الحقيقية لهذا الملف، وترى أن الوقت لم يحن بعد. ويذكر أن الجنرال شارل دوغول كان يؤكد أن لا دخل لفرنسا في هذا المل باستثناء تورط بعض “المرتزقة”، لكن تبين لاحقا أن المخابرات الفرنسية كانت على الأقل على علم بكل خطوات الاغتيال.

وعلى شاكلة وزارة الدفاع الفرنسية، ترفض المخابرات الأمريكية الكشف عن ملف المهدي بن بركة وتتعامل معه ضمن الملفات الأكثر حساسية. وتؤكد أن برمجة الكشف عنه سيكون خلال العقود اللاحقة على شاكلة ملف اغتيال جون كيندي. وموقف المخابرات الأمريكية يؤكد أنه علاوة على تورط أطراف مغربية هناك تورط دولي في اغتيال المهدي بن بركة،  ولا يمكن الكشف عن الملف الآن لتفادي الإساءة الى متورطين أحياء.

وتبقى جريمة اغتيال المهدي بن بركة شهيد اليسار المغربي والعالمي، هدف التقت حوله الملكية المغربية والمخابرات الغربية.

المقال من مصدره

عزيزي (ة) القارئ (ة):  ساهم في نشر  ألف بوست في شبكات التواصل الاجتماعي مثل الفايبسوك

مقالات ذات صلة

By 

Sign In

Reset Your Password