العوامل المحركة للقومية الكتالانية نحو الاستقلال

من تظاهرات المطالبة بالاستقلال

تظافرت عوامل متعددة في قرار الطبقة السياسية القومية في كتالونيا الاستقلال عن اسبانيا، عوامل تجمع بين ما هو تاريخي وما هو نتاج الممارسة السياسية خلال السنوات الأخيرة، وتصب الآن في قرار حكومة الحكم الذاتي في التمهيد لإعلان الدولة الكتالانية بعد استفتاء تقرير المصير يوم فاتح تشرين الأول/أكتوبر الجاري الذي منح لأنصار الاستقلال فوزا بـ 90% رغم عدم توفره على الشروط الكاملة كعملية انتخابية من لوائح انتخابية وإشراف على مراكز الاقتراع.
ولا يمكن فهم القضية الكتالانية بمعزل عن التاريخ، فهي قضية ليست وليدة اللحظة أو السنوات الماضية بقدر ما أنها تعود إلى قرون من الزمن. فقد تميزت علاقة كتالونيا بالدولة المركزية في مدريد بتوتر مستمر واحتقان قوي وتجاذبات وصلت إلى مستوى المواجهات العسكرية بين الحين والآخر.
تعتبر المشاعر القومية في كتالونيا قوية ومترسخة لدى السكان بسياسييها ومثقفيها والأناس العاديين، وهي نوعان، فئة من الكتالان الذين يرون في تميزهم عن باقي الإسبان ثقافيا وتاريخيا ويرغبون في وضع قانوني متقدم ويقترحون الفدرالية أو الكونفدرالية حلا، أي أعلى مستويات الحكم الذاتي بما فيه دولة داخل الدولة الإسبانية. وهناك فئة أخرى ترفض كل ما هو اسباني وتؤكد على طابع كتالونيا كدولة وكأمة مستقلة لها مسارها السياسي والتاريخي المختلف عن باقي اسبانيا وتستحق دولة خاصة بها، وهو ما قاله رئيس حكومة الحكم الذاتي كارلس بويغديمونت بعد استفتاء تقرير المصير الأحد «كتالونيا من حقها التحول إلى دولة».
وهذه الفئة أو التيار الثاني هو الذي يظهر بقوة بين الحين والآخر. فقد عزز مثقفون وسياسيون فكرة «الاستعمار الاسباني لكتالونيا». وشكلت هذه الفكرة عماد الخطاب السياسي والتاريخي والثقافي الذي ما فتئ يتعاظم مع مرور الوقت. وقد عمل مؤرخون ومفكرون منذ القرن التاسع عشر بجهد كبير لتطوير فكرة الأمة الكتالانية المستقلة عبر التاريخ والتي سقطت في «الاستعمار» الاسباني سنة 1714 بعد حرب دامت سنوات. ويتبنى معظم المؤرخين والسياسيين أطروحة فالنتي ألميرال السياسي والصحافي والمفكر الذي ألف كتابه الشهير «الكتالانية»، واضعا الأسس الحديثة للقومية الكتالانية.
ووجد هذا التيار المنعطف الحقيقي بعدما أصدرت حكومة كتالونيا سنة 1998 إبان حكم السياسي المخضرم جوردي بوجول «قانون اللغة الكتالانية». ولا يمكن فهم القفزة النوعية للقضية الكتالانية بدون هذا القانون الذي بدأ بفرض اللغة الكتالانية تدريجيا في التعليم والإعلام والإدارة إلى مستويات جعلت الاسبانية لغة أجنبية ومرفوضة من طرف سكان الإقليم بحجة أنها لغة المستعمر.
انتعاش الفكر التاريخي والثقافي القومي حمل معه تغييرات سياسية، إن لم تكن هي المظهر البارز. فقد سيطرت الأحزاب القومية الكتالانية على المشهد السياسي في كتالونيا منذ الانتقال الديمقراطي في أواسط السبعينيات بعد رحيل الدكتاتور الجنرال فرانسيسكو فرانكو. وهيمن حزب الوفاق والتجمع الكتالاني على حكومة الحكم الذاتي منذ سنة 1981، تاريخ اعتماد الحكم الذاتي. لكن إقليم كتالونيا سيشهد تغييرات سياسية جوهرية خلال العقد الأخير، وهي التي تفسر لماذا الانتقال نحو الاستقلال. في هذا الصدد، فقد تراجع وزن الأحزاب الوحدوية المتمثلة أساسا في الحزب الاشتراكي والحزب الشعبي في كتالونيا، كما تراجع وزن حزب الوفاق والتجمع الكتالاني وهو تشكيلة سياسية محافظة ذات مطالب قومية معتدلة لم تتخل نهائيا عن حلم الدولة الكتالانية ولكنها كانت دائما تسعى إلى توسيع صلاحيات الحكم الذاتي. وهذه التشكيلة السياسية تولت رئاسة الحكم الذاتي أطول فترة في كتالونيا منذ الانتقال الديمقراطي. وفي المقابل، برزت أحزاب يسارية راديكالية تعاظم نفوذها وهي حزب اليسار الجمهوري الكتالاني ثم حزب ائتلاف وحدة الشعب وهو راديكالي جدا ثم حزب بوديموس اليساري أيضا. ويقود الحزبان الأولان بتنسيق مع اليمين الكتالاني المحافظ مسيرة الاستقلال عن كتالونيا. وترى هذه الأحزاب في فوز الأحزاب القومية الكتالانية في الانتخابات البلدية والتشريعية خلال العقدين الأخيرين بمثابة الفوز في استفتاء تقرير المصير.
واقتصاديا، تتجلى أطروحة أنصار الاستقلال وخلال القرنين الأخيرين في ريادة كتالونيا اقتصاديا بفضل الثورة الصناعية التي شهدتها ابتداء من أواخر القرن الثامن عشر وأساسا منذ منتصف القرن التاسع عشر. ورفقة إقليمي مدريد وبلد الباسك، تعد كتالونيا الإقليم الأكثر اعتمادا على الصناعة رغم قوة القطاع الزراعي والخدمات ومنها المالية والسياحة. ويؤكد أنصار الاستقلال أن الدخل الفردي في الإقليم يقارب 29 ألف يورو هو ما فوق المتوسط الأوروبي ويتجاوز مناطق مثل الأندلس وإكستريمادورا 70%. ولهذا يعتبر العامل الاقتصادي من أهم عوامل الرغبة في الاستقلال. ويرفع الكتالان شعار «كتالونيا دنمرك البحر المتوسط» في حالة استقلالها. ويعد القطاع الاقتصادي مجال المواجهة بين أنصار الاستقلال وأنصار الوحدة. وعمليا، فكتالونيا ذات الاقتصاد الذي يعادل فلندا وساكنة تقارب ساكنة سويسرا ومساحة تقترب من دول البينليكس قادرة، من الناحية الاقتصادية، على التحول إلى دولة قوية.
لقد تضافرت عوامل تاريخية وثقافية وسياسية واقتصادية في تعزيز نفوذ الحركات القومية في كتالونيا نحو الانتقال إلى إعلان الجمهورية الكتالانية. وعندما كانت تتبلور وتتعاظم هذه العوامل في العقدين الأخيرين، لم تدرك الحكومة المركزية خطورتها. بل وارتكبت الحكومات المركزية المتعاقبة على الحكم في مدريد أخطاء فادحة طيلة الثلاثة عقود الأخيرة في معالجة ملف القوميات في اسبانيا ولا سيما الكتالانية. ومن ضمن هذه الأخطاء ما كتبه صاحب هذا المقال في كتاب «ما وراء مضيق جبل طارق» في الفصل المخصص لمستقبل القوميات « (83-90) سنة 2002 ويتجلى في محاولة مدريد إرضاء مطالب الحركات القومية في كتالونيا وبلد الباسك في الدعم المالي والتنازل عن بعض الصلاحيات الإدارية عبر الرفع من الحكم الذاتي، خاصة وأن الأحزاب القومية ومنها حزب الوفاق والتجمع الكتالاني والحزب القومي الباسكي كانا يكملان النصاب القانوني في البرلمان للحكومات المتعاقبة منذ حقبة فيلبي غونثالث مرورا بخوسي ماريا أثنار. واستمر هذا لاحقا مع خوسي لويس رودريغيث سبتيرو.
الملف الكتالاني هو ملف قومية تنتعش بين الحين والآخر، وسبق للكتالان إعلان الجمهورية في مناسبات عدة منها سنة 1641 و1931 و1936 أحيا بشكل مستقل وأحيانا تحت غطاء جمهورية ضمن الكونفدرالية الإيبيرية. ورغم تعدد الصيغ القانونية، هناك رغبة لدى نسبة عالية من الكتالان في الاستقلال أو التوفر على دولة داخل دولة اسبانيا.
ويعتبر استفتاء تقرير المصير أول تشرين الأول/أكتوبر الجاري حلقة من ضمن الحلقات لتحقيق هذا الحلم، وفي الوقت ذاته، هو تعبير عن أزمة الديمقراطية الإسبانية التي لم تصل إلى مستوى الاتفاق على استفتاء على شاكلة ما شهدته اسكتلندا سنة 2014 وكبيك في كندا سنة 1995، أي استفتاء متفق عليه بين السلطة المركزية والإقليمية.
وقد يعلن رئيس حكومة الحكم الذاتي في كتالونيا كارلس بويغدمونت خلال الأيام المقبلة استقلال الإقليم عن اسبانيا، لكن فك الروابط الاقتصادية والسياسية سيكون عملية صعبة. في الوقت ذاته، لن تنجح الحكومة المركزية في مدريد في الإبقاء على كتالونيا ضمن الخريطة السياسية ضمن الشكل القانوني الحالي.
وأمام الرغبة الجامعة لكتالونيا بالاستقلال والرغبة القوية لاسبانيا للاحتفاظ بهذا الإقليم حتى لا تفقد الكثير من عناصر قوتها (تقلص المساحة وتقلص الاقتصاد وتقلص السكان)، كل المؤشرات تشير إلى ان إعادة استفتاء تقرير المصير متفق عليه على المدى المتوسط لتفادي وضع اللاستقرار، أو امتلاك جرأة سياسية حقيقية لإصلاح الدستور والانتقال نحو نظام كونفدرالي حقيقي.

By 

Sign In

Reset Your Password