انسحاب المغرب من الكركرات: حِكمة دبلوماسية و نُذر تطورات دراماتيكية محتملة بنزاع الصحراء

مقاتل من البوليساريو أمام الجدار وفي العمق نقطة عسكرية مغربية

 مع اقتراب تداول مجلس الأمن بشأن نزاع الصحراء خلال أبريل القادم اندلعت أزمة جديدة وشائكة بمسار هذا الملف، وكادت هذه الأزمة، وتستمر، أن تتطور إلى اشتباكات عسكرية بين المغرب والبوليساريو. الأزمة اندلعت٬،بحسب رواية البوليساريو، بعدما قامت قوات مغربية بحملة لتمشيط المنطقة العازلة المسماة الكركرات وتعبيد طريق نحو موريتانيا٬،واعتبرت ذلك تغييرا للوضع القائم بالمنطقة وانتهاكا لوقف اطلاق النار القائم منذ 1991 بين المغرب و البوليساريو. أما بحسب رواية المغرب، فقد اندلعت الأزمة، بعدما أقدمت البوليساريو على نشر قواتها بالمنطقة و اعتبر الأمر بدوره على أنه انتهاك لوقف اطلاق النار و تغيير للوضع القائم بالمنطقة المنزوعة السلاح.

الردود الداخلية بالمغرب تفاوتت فيما بينها وتراوحت بين من مع ومن هو ضد قرار الانسحاب، حيث أن جزءا وطنيا من الشعب لم يستسغ نفسيا الانسحاب و ينظر إلى الأمر بمثابة انبطاح للمغرب، بينما جزء مُسالم تفهم ذات الانسحاب و يعتبر قرار الانسحاب صائبا و ينظر إليه على أنه جنب المغرب الانجرار إلى المواجهة. أما الردود الخارجية فكانت بدورها متباينة و تفاوتت بين تحفظ أطراف الجوار و ذوو صفة المراقب بالنزاع، موريتانيا والجزائر، وترحيب القوة الاستعمارية السابقة للإقليم،اسبانيا، وتأييد عضو مجلس الأمن الدائم العضوية، فرنسا، ثم ثناء سفارة الولايات المتحدة وإشادة هيئة الأمم المتحدة.

أما الأمم المتحدة فتحركت على إثر احتجاجات المغرب و البوليساريو و دعت الأطراف المعنية، المغرب والبوليساريو بالالتزام بمقتضيات وقف اطلاق النار و سحب قواتهما المتمركزة بالمنطقة٬ و تفاعلا مع الهيئة الأممية٬ قام المغرب٬ بخطوة أحادية الجانب٬ بسحب قواته بالمنطقة٬ بينما لم تعلن البوليساريو عن أية خطوة مماثلة إلى حدود صياغة هذه المقالة. أما المقالة التالية فستقوم بمقاربة قرار المغرب سحب قواته من الكركرات٬ بعدما تعددت القراءات حوله و اختلفت الردود بشأنه و تفاوتت المواقف بخصوصه و تباينت الآراء بشأنه٬ و ذلك من زاوية براغماتية بحته: ماذا خسر و ربح المغرب جراء الانسحاب.

مغانم معنوية و رمزية و مغارم مادية و ميدانية
بالنسبة للربح٬ فقد ربح المغرب معنويا على ما يبدو، كيف؟ فبعد ربحه للإشادة الدولية، يبدو أنه كسب نقاطا رمزية لصالحه. فأولا، ظهر على الأرجح بأنه نجح في اختبار احترام استجابة الأمين العام للأمم المتحدة، بحيث بدا على أنه يتجنب التصعيد و المواجهة المسلحة٬ ويسهر على الحفاظ على التهدئة للحيلولة دون نشوب مناوشات، وذلك حفاظا على استقرار المنطقة. ثانيا ظهر بأنه نجح في توريط البوليساريو في مزيد من تعقيد تسوية النزاع بعدم استجابتها لنداء الأمم المتحدة بالانسحاب. ثالثا ظهر بأنه أقحم البوليساريو في إطالة أمد التسوية الأممية وأخيرا أظهر بأن البوليساريو تقوم بتقويض التسوية السياسية التفاوضية.
أما ميدانيا، فلم يربح على ما يبدو و إنما خسر. كيف؟ فقد ظهر بأنه خسر الكركرات بانسحابه منها، حيث قامت مقامه بها قوات البوليساريو، بينما الأخيرة تعد منطقة عازلة، مثلما خسر منفذه الوحيد نحو افريقيا، سوقه الاستهلاكية المستقبلية، بعدما كانت تعود إدارته تتم وفقا للقوانين و الاجراءات المغربية، بينما اليوم بالمنطقة تتحكم البوليساريو بحركة عبور الأفراد و التجارة البينية العابرة للقارات، وذلك بإقامة سدود تفتيشية، بحيث تقوم بمنع شاحنات مغربية من العبور إلى موريتانيا و عبرها إلى افريقيا٬ بحسب العديد من أشرطة الفيديو تناقلتها العديد من المنابر الاعلامية و الشبكات الاجتماعية.

تجنيب لجدولة تسوية نزاع الصحراء بالمادة السابعة لميثاق الأمم المتحدة
إلا أنه بصرف النظر عن ميكيافلية الربح و الخسارة، فقرار المغرب الانسحاب من الكركرات يعد، وفقا للقراءة البراغماتية لحيثياته و خلفياته، قرارا دبلوماسيا بارعا. لماذا؟ لسبب بسيط و هو أنه جنب المغرب الاحتكاك مع البوليساريو وحرم الجبهة من اصطياد ردة فعلية منه ستُحسب ضده و لم يقم بإعطائها فرصة اتهامه بتهديد للسلم بالمنطقة، و من تم فرض تسوية على أطراف النزاع: المغرب و البوليساريو، قد تكون في صالح المغرب مثلما قد تكون في غير صالحه. فبهذا الانسحاب، تجنب المغرب شبح إخراج تسوية نزاع الصحراء بمجلس الأمن من المادة السادسة من ميثاق الأمم المتحدة و ادراجه بالسابعة.
إن قرار المغرب الانسحاب من الكركرات، بإسهامه في تهدئة الوضع، سيدفع بالأمم المتحدة إلى النظر بتسوية نزاع الصحراء بناء على المادة السادسة، القاضية بتسوية النزاعات بالصيغ السلمية و التفاوضية، طالما أن نزاع الصحراء لم ينحرف بعد ليصبح تهديدا للسلم العام، بالمنطقة و سيدفعها إلى استبعاد اللجوء إلى مقتضيات المادة السابعة من ذات الميثاق و القاضية باللجوء لخيار القوة لفرض التسوية الأممية٬ و ذلك باستصدار قرار مُلزم للأطراف بناء على مقتضيات المادة “42″ من ذات المادة٬ طالما أن أسباب تنزيلها ليست متوفرة٬ بعدما قد يكون المغرب قد انتبه إلى هذه الامكانية و لم يقع ضحية انعكاساتها.

المواجهة بين الإمكانية النظرية و الصعوبة العملية
إلا أن انسحاب المغرب و عدم انسحاب البوليساريو فيعتبر مؤشرا يُنذر بتأزم النزاع خاصة وأن التسوية الأممية باتت عبثية و المفاوضات باتت روتينية. أما استمرار البوليساريو بالكركرات، المنطقة العازلة وفقا لاتفاقية وقف إطلاق النار بين المغرب والبوليساريو، ورفع الطرفان من قواتهما العسكرية، فكلها مؤشرات تفيد نظريا بأن الأمور قد تنفلت و أن النزاع قد يعود إلى نقطة الصفر و قد يخرج عن نطاق السيطرة و يندلع من جديد. إلا أنه عمليا، يستبعد بالأمد المنظور، نشوب أية مواجهة مباشرة بالمفهوم التقليدي للتعبي، اللهم بعض الاحتكاكات. لماذا؟
السبب هو أن المغرب قد لن يبادر بأية خطوة في هذا الاتجاه كونها ستكون مكلفة والبوليساريو ليست ذات أرض لها عليها سيادة تشن منها عدوانها، مثلما لن تستطيع القيام بأية خطوة عدوانية تجاه المغرب انطلاقا من المنطقة العازلة، كونها منطقة منزوعة السلاح و تشرف عليها بعثة المينورسو الأممية. و حتى و إن وقع هذا السيناريو الغير المستبعد بإيعاز من أحد أطراف الجوار و قامت البوليساريو بشن عدوان على المغرب٬،فسيكون الأمر انطلاقا من موريتانيا أو الجزائر، و هذا إذا وقع ستُورط فيه الجبهة الجوار كله حيث أن المغرب سيكون مطالبا حينها بالرد دفاعا عن نفسه٬ مثلما قد يغض الطرف.
إن الأرجح بالنهاية على ضوء القراءة التالية هو استمرار المناوشات و استئناف الوضع القائم إلى أن يقع تغير مهم بموازين القوة الاقليمية و قادر على قلب معادلة النزاع لصالح طرف على حساب الآخر. فإلى حدود اليوم٬ المغرب لم يستطع بعد إنهاء هذا النزاع المتورط فيه و البوليساريو ليست بالقادرة على تغيير الأمر الواقع بالصحراء. أما فخروج نزاع الصحراء من المادة السادسة و إدراجه بالسابعة فمعناه حينها المواجهة المباشرة. لذلك الأمم فالمتحدة قد لن تغامر بذلك و ستستمر بضغوطاتها على الأطراف المعنية بالنزاع٬ المغرب و البوليساريو٬ للانخراط من جديد بجولة خامسة من المفاوضات برعاية أممية.

أحمد بنصالح الصالحي: مهتم و متتبع لمسار و تطورات نزاع الصحراء

مقالات ذات صلة

By 

Sign In

Reset Your Password