بعدما حقق في أنوال وورغة أهم انتصارين بعد وادي المخازن، نقل رفاة الخطابي من مصر الى المغرب آخر معاركه

زعيم الثورة الريفية محمد بن عبد الكريم الخطابي

قليل من الأسماء العربية احتلت واجهة المجلة الأمريكية الشهيرة “تايم” قد لا يتعدى العدد السبعة، وأغلبهم من الملوك مثل الملك فاروق المصري ومحمد الخامس من المغرب بينما آخرون رؤساء مثل جمال عبد الناصر ومعمر القذافي، ووسط هؤلاء يبرز زعيم الثورة الريفية في المغرب محمد بن عبد الكريم الخطابي التي حلت ذكرى رحيله ال 54 يوم 6 فبراير الجاري، هذا الزعيم الذي ألحق أكبر الهزائم العسكرية بكل من فرنسا واسبانيا في العشرينيات من القرن الماضي.

وتصدر الخطابي واجهة مجلة التايم في عددها الصادر بتاريخ 17 غشت 1925 بعدما كانت قد خصصت له عشرات المقالات منذ صدورها في مارس 1923. وجاء الغلاف بعدما أصبحت ثورة الريف وقتها حديث وسائل الاعلام العالمية وخاصة الغربية منها بسبب حرب التحرير التي قادها ضد كل من القوات الاستعمارية الفرنسية والإسبانية. فقد جعل الصحفي سكوت مورير في مقالاته في جريدة “شيكاغو تريبين” من الخطابي شخصية شهيرة وسط الأمريكيين وقارن بين نضال الأمريكيين للحصول على الاستقلال ورغبة الريفيين في التحرير والاستقلال.

وتعود أهمية الخطابي التاريخية الى تزعمه ثورة الريف شمال المغرب ضد الاحتلال الإسباني ما بين 1917 الى 1926، فقد وقّع رفقة ثائرين وقتها على أهم الحروب في تاريخ المغرب بعدما هزم الإسبان في معركة أنوال في يوليوز 1921.  وعند قراءة التاريخ العسكري الإسباني، سيجد القارئ سيلا من الحروب والمعارك بحكم أن اسبانيا دخلت في سلسلة من المواجهات على مدى قرون منذ طرد الموريسكيين من الأندلس واستعمارها لمنطقة أمريكا الجنوبية وحتى شمال المغرب. وسيتوقف القارئ أو الباحث عند معركة أنوال، إذ يجمع مؤرخو هذا البلد الأوروبي بتسميتها ب “كارثة أنوال” لحجم الخسائر التي تكبدها الجيش الإسباني المسلح بأسلحة حديثة أمام ثوار كانوا مسلحين فقط بالبنادق وشنوا حرب عصابات ذكية ألهمت لاقحا ثوار من طينة هو شي منه وتشي غيفارا وماوتسي تونغ وفق تصريحاتهم وكتاباتهم. وجاء في التقرير الرسمي للجنرال بيكاسو في العشرينات (هو خال الرسام الشهير بيكاسو) أن خسائر الجيش الإسباني في أنوال وحدها بلغت 13 ألف و636 جنديا قتيلا في يوم واحد.

كانت نتائج معركة أنوال ومعارك أخرى خسرها الإسبان بمثابة زلزال حقيقي على مستقبل اسبانيا، فهي من الأسباب الرئيسية للانقلاب الذي شهدته اسبانيا سنة 1923 ثم سقوط الملكية وامتد دورها نسبيا الى الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد.

بعد هزيمته للإسبان وإقامته لجمهورية في شمال المغرب، أراد الخطابي تحرير شمال إفريقيا من التواجد الاستعماري الفرنسي، وبدأ خطواته الأولى في مهاجمة قسم المغرب الذي كان تحت الاحتلال الفرنسي. فقد خضع المغرب لاحتلالين سنة 1912، شمال البلاد سقط في يد اسبانيا واحتلت فرنسا باقي المناطق بينما كانت طنجة منطقة تحت النفوذ الدولي. ووقعت سلسلة من المعارك في منطقة ورغة القريبة من فاس، وتعرف ب “حرب ورغة”، حيث فقد الفرنسيون ما بين أبريل ويوليوز 1925 ألفي جندي قتيل وخمسة آلاف جريح، بينما فقد الريفيون 500 مقاتل.

وتختلف الروايات في تقديم الأسباب حول اندلاع حرب ورغة بين القوات الريفية والفرنسية. الطرف الريفي يتهم فرنسا بتعمد إثارة الريفيين واستفزازهم للدخول معهم في حرب بعدما اعتقدت أن الجيش الإسباني على وشك الانهيار وربما الانسحاب من شمال المغرب قد يترتب عنه بدء نهاية استعمار المغرب. ويؤكد الطرف الفرنسي أن الخطابي كان ينوي الاستيلاء على مدينة فاس ليعلن نفسه سلطانا على مجموع المغرب لما تشكله فاس من رمزية للمغاربة وعاصمة للبلاد في العديد من المناسبات، وأنه يتلقى دعما قويا من الاتحاد السوفياتي. وكان رئيس الحكومة الفرنسية الأسبق إدوارد هيريوت قد صرح في حينئذ أن “الخطابي لا يرغب في أي حرب ضد فرنسا، والمواجهة معه قد تسبب في خسارة فرنسا لشمال إفريقيا بالكامل”.

أما خطر ثورة الريف، جندت فرنسا أكثر من 200 ألف جندي بقيادة المارشال بيتان وجندت اسبانيا أكثر من 60 ألف جندي بقيادة الجنرال بريمو دي ريفييرا الذي جاء الى الحكم بعد انقلاب نتيجة انعكاسات معركة أنوال على اسبانيا. وكانت كل هذه الجيوش الجرارة لمحاصرة القوات الريفية ابتداء من سبتمبر 1925. ولم يسبق أن اجتمعت جيوش ضخمة أجنبية على أرض المغرب أو على أرض عربية حتى ذلك التاريخ للقضاء على ثورة مقاومة مثلما حدث في الهجوم على الريفيين بعد حرب ورغة. فقد وظفت فرنسا واسبانيا آخر ما جادت به الصناعة العسكرية من عتاد للقضاء على ثورة الريفيين من طيران ومدفعية، وهاجمت الريف بحرا وبرا وجوا. وكان الأخطر هو استعمال هذه القوات للغازات السامة ضد المغاربة لترحيل السكان من مناطقهم لمنع الدعم اللوجيستي عن قوات الريف من ماء ومأكل.  ونتج عن استعمال هذا السلاح الجديد استسلام الخطابي سنة 1926 حفاظا على الساكنة من الإبادة بينما استمرت حرب التحرير سنة أخرى. وقال وقتها “لقد استسلمت حتى يبقى هذا الشعب حيا وبذلك أعطيه فرصة للانتصار مستقبلا”. وقد أصدر المؤرخ المغربي مصطفى المرون السنة الماضية كتابا عن الغازات السامة باسم “التاريخ السري للحرب الكيماوية في المغرب” عرضت جريدة القدس العربي مضمونه يوم 23 يناير 2016.

قامت فرنسا بترحيل الخطابي الى جزيرة ريينيون سنة 1926، وخلال نقله الى فرنسا سنة 1947 نجح في الهرب عندما وقفت السفينة في ميناء بورسعيد والبقاء في مصر حتى وفاته يوم 6 فبراير 1963، حيث دفن في القاهرة بمراسيم البطل القومي.

في ظل الهزائم التي كان يتعرض لها العالم الإسلامي والثالث نتيجة سقوطه في يد الاستعمار، نجحت ثورة الريف في العشرينيات من القرن 20 في تحقيق انتصارات باهرة على دولتين اسبانيا وفرنسا. وتعود هزيمة ثورة الريف الى تواطئ جزء من المغاربة ضد الثورة وانخراط السلطان يوسف في محاربة الخطابي. والمتأمل في التاريخ العسكري المغربي، سيجد أن معركتي أنوال وورغة هما أكبر انتصارين عسكريين للمغاربة حتى ذلك الوقت في تاريخ الحروب منذ انتصارهم في معركة وادي المخازن التاريخية سنة التي كانت سببا في انهيار الإمبراطورية البرتغالية سنة 1574.

وهكذا، تحل الذكرى ال 54 لوفاة الزعيم التاريخي محمد بن عبد الكريم الخطابي، ومازالت معركة وحيدة لتكريمه رغم محاولات طمس تاريخه وهي: نقل رفاته من القاهرة الى منطقة أجدير شمال المغرب ليدفن في الأرض التي ناضل من أجل تحريرها رفقة الشعب المغربي.

المقال من القدس العربي

مقالات ذات صلة

By 

Sign In

Reset Your Password