بعد الخطاب الانتقادي للملك: هل تتوفر الدولة على مشروع تنموي حقيقي وواقعي؟

مكونات الدولة المغربية

وجه العاهل المغربي الملك محمد السادس السبت الماضي 29 يوليو خطابا إلى المغاربة، بمناسبة مرور 18 سنة على وصوله إلى السلطة، وكان من المرتقب أن يكون خطابا تاريخيا، في ارتباطه بالحراك الشعبي في منطقة الريف شمال البلاد، ولم يحدث بسبب عدم العفو على جميع المعتقلين لبدء صفحة جديدة. لكن الملك الذي تبنى خطاب المعارضة في انتقاد الأوضاع والطبقة السياسية لم يقدم جوابا شافيا حول الإشكال الكبير: لماذا تتدهور الأوضاع الاجتماعية في المغرب؟
وركز عدد من المحللين وشبكات التواصل الاجتماعي على الشق السياسي للخطاب، بانتقاده المؤسسة الحزبية في البلاد بشكل غير مسبوق، وتحميله القطاع العمومي مسؤولية تدهور الأوضاع، ما خلق حالة تناقض تراوحت بين التصفيق والترحيب، والتحفظ وانتقاد خطاب الملك نفسه. لكن الشق الاجتماعي في الخطاب، لم يحظ بالأهمية المطلوبة، رغم ارتباطه بالعامل الذي يهدد بوقوع أكبر الاضطرابات في المغرب، بسبب عدم قدرة المغاربة على الاستمرار في تحمل غلاء المعيشة والحرمان من أبسط شروط العيش الكريم. ويعتبر الحراك الشعبي في الريف، الذي دخل شهره التاسع والمطالب بالصحة والعمل والتعليم عنوانا لهذه الاحتجاجات.
وكان الملك واضحا في توصيفه الوضع الاجتماعي، عندما قال في خطابه «لكننا نعيش اليوم، في مفارقات صارخة، من الصعب فهمها، أو القبول بها. فبقدر ما يحظى به المغرب من مصداقية، قاريا ودوليا، ومن تقدير شركائنا، وثقة كبار المستثمرين، كـ»بوينغ» و»رونو» و»بوجو»، بقدر ما تصدمنا الحصيلة والواقع، بتواضع الإنجازات في بعض المجالات الاجتماعية، حتى أصبح من المخجل أن يقال إنها تقع في مغرب اليوم».
ولنترجم فقرة الملك لمعرفة هذا الواقع المخجل: سيجلب المغرب استثمارات شركة بوجو مستقبلا، وقد توسع بوينغ معملها في الدار البيضاء، لكن خلال السنة الجارية غادر 250 ألف طفل التعليم، وفق إحصائيات رسمية وتصريحات رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، خلال يونيو الماضي. جلب المغرب خلال العشر سنوات رونو وبوجو وبوينغ وبومبارديي وشركات أخرى عالمية، لكنه ألقى بأكثر من مليوني طفل وشاب خارج المدرسة. هذه المفارقة تتعدى مفهوم «المخجلة» إلى الخطيرة والكارثية على حاضر ومستقبل البلاد، لأن المغرب يجد نفسه أمام جيش جرار من غير المتعلمين، في وقت ينتقل فيه العالم إلى المعرفة الرقمية. ونبهت الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي إلى هذه الظاهرة الخطيرة، بل إن منظمة اليونيسكو لم تتردد في تصنيف التعليم في المغرب ضمن أسوأ مناهج التعليم في العالم.
على ضوء هذا، يتم طرح الإشكال الكبير حول التنمية، خاصة في المغرب: هل تتقدم الدول بفضل الاستثمارات الأجنبية، خاصة إذا كانت عملاقة؟ أم أن التنمية البشرية الحقيقية تقوم على أسس مختلفة؟ في هذا الصدد، الاستثمارات الأجنبية في حالة المغرب مهمة جدا، بسبب خلق مناصب الشغل والمساهمة في الضرائب والرفع من احترافية اليد العاملة. ويتمثل الجانب الذي يمكن اعتباره سلبيا في عدم نقل هذه الشركات التكنولوجيا الى المغرب، يتم الاقتصار على التركيب والتجميع فقط، وفي الوقت ذاته هذه الشركات قد تغادر المغرب، كما غادرت دولا أخرى من قبل، فهي ليست صناعة وطنية ستبقى إلى الأبد، بل تبحث عن مناطق الإنتاج الأقل تكلفة لتحقيق الربح.
كل التجارب التاريخية بشأن التنمية والرقي، وتحقيق قفزة تطور حقيقية تقوم على عناصر أهمها وهو التعليم، وما يرادفه من إنتاج المعرفة، على توفير الاكتفاء الذاتي من الغذاء، وعلى الصحة وكل هذا يؤدي إلى تطور القطاعات، خاصة الاستراتيجية، ما يترتب عنه خلق مناصب الشغل بشكل مباشر وأوتوماتيكي. وهذه العناصر تعتبر الركائز الحقيقية للأمن القومي لكل أمة وسط الأمم.
تقدم الغرب بفضل توفير العناصر الثلاثة، البحث عن سر تقدم فرنسا يكمن في جامعة مثل السوربون، وفي حالة بريطانيا في جامعات على شاكلة أكسفورد وكامبريدج، وفي حالة الولايات المتحدة في صروح علمية مثل هارفارد وبرنستون وييل وشيكاغو. ويتكرر السيناريو نفسه في دول التحقت بالركب مثل تركيا وإيران وماليزيا وسنغافورة ودول أخرى تبحث عن الهدف نفسه مثل البيرو التي تعاقدت مؤخرا مع مئات الأساتذة الأجانب للرفع من مستوى جامعاتها. وتفيد تجارب بعض الدول كمثال نظرا لمستواها المتقارب مع المغرب في الخمسينيات وهي، كوريا الجنوبية وسنغافورة وتايلند، فلماذا تقدمت هذه الدول وتأخر المغرب؟ وكانت دول متأخرة عنه والآن تتقدم عليه مثل البيرو؟
يصل المغرب سنة 2017 وهو يتوفر على أسوأ المناهج التعليمية في العالم، وكشفت وثائق رسمية مغربية خلال فبراير ومارس الماضيين وجود 670 ألف طفل خارج منظومة التعليم، كما كشفت بأن التعليم وصل مرحلة الخطر. نصل سنة 2017 و70% من مستشفيات البلاد لا تتوفر على الحد الأدنى من المعايير الدولية، نصل الى 2017 ونحن لم نحقق حتى 60% من الأمن الغذائي. لهذا لا يبارح المغرب خلال العشر سنوات الأخيرة مراتب 123-130 في الترتيب العالمي للتنمية البشرية الذي تصدره الأمم المتحدة.
المغرب يفتقر لرؤية عميقة وواقعية للتنمية البشرية، قائمة على الأسس الحقيقية التي تساهم في تقدم الدول، وليست تلك الأسس التي تزود بها مراكز التفكير الاستراتيجي المغرب تفيد وتنتمي الى نوعية الدراسات الهشة التي تقدم مثل الأكلات الخفيفة لكل زبون. اعتاد المغرب التغني بأطروحة «الاستثناء المغربي» سياسيا، لكن لا يوجد استثناء مغربي في التنمية، إما تنجح الدولة في توفير ركائز التنمية وهي التعليم والصحة والأمن الغذائي ثم الشغل، أو أنها تفقد قطار التطور وركب الأمم المتقدمة. والأخطر لم يعد الأمر يختصر على التنمية وحدها، بل أن كل خلل في التنمية يمس ركائز الأمن القومي للمغرب. تعليم متخلف وصحة متدهورة يعني التراجع في سلم الرقي الأممي.
الدولة المغربية تفتقر للمفهوم الحقيقي للتنمية البشرية، لاقتصارها على مظاهر جانبية مكملة مثل الاستثمار الأجنبي وليس عملية تأسيسية للتطور مثل تطوير التعليم والصحة، رؤية يجب أن تكون نتاج مشروع قومي شامل عنوانه التخطيط العلمي القائم على الكفاءات، بعيدا عن التملق، الأمر الذي لا يتوفر في مغرب اليوم لهذا «واقع المغرب اجتماعيا مخجل» وبدون شك سيستمر نحو الأسوأ بسبب تدهور التعليم والصحة.

By 

Sign In

Reset Your Password