بعد رحيل كاسترو: المغرب و كوبا من حتمية القطيعة المُتجاوزة إلى إمكانية التطبيع المُمكنة؟أحمد بنصالح الصالحي

الرئيس الكوبي الراحل فيدل كاسترو

بوفاة رئيس كوبا الأسبق فيديل كاسترو٬ يومه 26 من نونبر الماضي، يطرح سؤال السياسة الخارجية الكوبية المستقبلية وموقفها المرتقب من نزاع الصحراء، وباستحضار أدبيات السياسة الخارجية الكوبية بعد نجاح الثورة سنة 1959 بقيادة زعيمها الراحل فيديل كاسترو، فقد اتسمت هذه الأخيرة بارتكازها على الدفاع عن السلام بالعالم و احترام سيادة و وحدة الشعوب و عدم الانحياز و الاهتمام بالعالم الثالث ودعم الحركات التحررية و توحيد شبه قارة أمريكا اللاتينية و مناهضة الامبريالية.

وتوقعا لموقف كوبا مستقبلا من نزاع الصحراء و إمكانية استشراف طبيعة العلاقة المستقبلية المغربية-الكوبية، يجب استحضار أن موقف كوبا بالمقارنة مع العديد من المواقف الأمريكية اللاتينية من النزاع يعد موقفا ثابتا طيلة الأربعة عقود الأخيرة وذلك بعدما أقدمت على إقامة علاقات دبلوماسية مع ما يسمى “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” المعلنة من طرف واحد و الغير المعترف بها من طرف الأمم المتحدة٬ بينما المغرب تجمعه علاقات دبلوماسية مع كوبا منذ 1962، إلا أنه قطعها سنة 1980.

 

مفارقة تصويت المغرب مع كوبا و تصويت كوبا ضد المغرب

إلا أنه بانقطاع العلاقات، حافظت كوبا و المغرب على الاتصالات في إطار العلاقات المتعددة الأبعاد خاصة بهيئة الأمم المتحدة، بحيث قام المغرب سنة 2006 بالتصويت لصالح مطلب دأبت الجزيرة الكوبية على عرضه سنويا على أنظار الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة منذ 1992 يهدف إلى رفع حصار الولايات المتحدة المفروض عليها منذ سنة1962. إلا أن كوبا قامت ذات السنة٬ بالجهة المقابلة٬ بالتصويت لصالح توصية تقدمت بها الجزائر باللجنة الرابعة للجمعية العامة للأممية لم تكن تصب في صالح المغرب.

 

إشارة المغرب الإيجابية نحو كوبا٬ بالتصويت لصالح رفع الحظر عنها٬ لم تدفع الأخيرة إلى التراجع عن موقفها من نزاع الصحراء أو تلطيفه أو تحيينه على ضوء مستجدات النزاع٬ و أعطت بذلك إشارة بدورها بأن لها موقف دولة من النزاع. فما دامت هافانا قد اعترفت سنة 1980 بجبهة “البوليساريو” وأقامت علاقات “دبلوماسية” مع “جمهوريتها” ولم تقدم على تعليق اعترافها أو تجميده أو سحبه، خلافا للعديد من جمهوريات أمريكا اللاتينية٬ فهذا معناه أن لها موقفا ثابتا من نزاع الصحراء استمر طيلة الستة و ثلاثين سنة الأخيرة.

  

كوبا من الحياد إلى الانحياز في نزاع الصحراء

وتاريخيا وقفت كوبا الراحل فيديل كاسترو المعترف بتنظيم جبهة “البوليساريو” و “دولتها” بجانب خصوم المغرب٬ حيث قامت كوبا بتجنيد و تدريب ميلشيات التنظيم على التكتيكات الحربية و القتالية. مثلما قامت بدعم الجزائر على حساب المغرب في ستينيات القرن المنصرم٬ و ذلك بشهادة الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بلة (1965-1963) حيث أرسلت كوبا سفينة محملة بالذخيرة و الأسلحة إلى الجزائر٬ إبان حرب الرمال مع المغرب سنوات 1964 و 1963 و بداخلها عشرات الدبابات ومئات الجنود والضباط.

و سياسيا ترتبك و “جمهورية” “البوليساريو” بآلية للحوار الرفيع٬ مثلما تدعم “استقلال الشعب الصحراوي” و تؤيد “استفتاء تقرير المصير” بالصحراء٬ وذلك بمداولات حركة عدم الانحياز و اللجنة الرابعة للجمعية العامة و الاجتماعات السنوية للأمم المتحدة٬ و قد أعلنت سنة 2010 بأنها “ستواصل ما تعتبره “دعم القضية العادلة” و “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” مثلما اعتبرت الأمر إبانه بأنه “واجب غير قابل للتصرف” كما تعتبر أن “الشعب الصحراوي يعاني من الاحتلال الغير الشرعي لأراضيه من طرف المغرب”، وفق التعابير التي تستعملها كوبا في معالجة النزاع.

 

و قامت سنة 2013 مندوبة البعثة الدائمة لكوبا بهيئة الأمم المتحدة، أمام أنظار اللجنة الرابعة لتصفية الاستعمار التابعة لذات الهيئة الأممية، بالتصريح “بمساهمة كوبا في تنمية الشعب الصحراوي خاصة بمجالات التعليم و الصحة” مثلما أدانت إبان تدخلها بالمناسبة ما أسمته آنذاك “الاستغلال الغير العقلاني و النهب و اغتصاب الموارد الطبيعية الصحراوية”٬ مثلما استقبلت سنة 2014 زعيم “البوليساريو” آنذاك محمد عبد العزيز بصفته “رئيسا” “للجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” و اجتمع برئيسها راؤول كاسترو.

أما بوفاة فيديل كاسترو٬ فتجدر الإشارة إلى أن المغرب٬ لم يقم بتوظيف اللحظة و استغلالها لصالحه٬ و ذلك بالمبادرة نحو كوبا و لو بالتفاتة انساني، بحيث لم يقدم المغرب على الأرجح٬ بوفاة فيديل كاسترو٬ بتعزية كوبا في فقدان زعيم الثورة الكوبية، مثلما لم تقم أية بعثة رسمية من المغرب بحضور جنازته. أما المفارقة فتتجلى في أن المغرب يُقدم على تقديم تعازيه للجزائر٬ الداعمة و الحاضنة و الراعية للنزعة الانفصالية بجنوب المغرب عند وفاة أحد كبار سياسييها٬ بينما لم يقم بتقديمه لكوبا.

 

مؤشرات ايجابية و حذرة نحو المصالحة المغربية-الكوبية

وبصرف النظر عن أخطاء كوبا و المغرب٬ فيجب استحضار أن كوبا اليوم ترتبط بعلاقات دبلوماسية مع بقية العالم، باستثناء إسرائيل و المغرب٬ إلا أن هذا الأمر الواقع٬ ارتباطا بالمغرب٬ لم يعد مقبولا بعالم اليوم. و بذلك يعتبر المغرب و كوبا مطالبان في إطار العلاقات الواقعية السياسية و البراغماتية٬ بفتح محادثات سياسية جادة و مسؤولة بينهما. المغرب في إطار القطع مع سياسة المقعد الفارع بأمريكا اللاتينية و كوبا في إطار انفتاحها على العالم و و بحثها عن موقعها الجديد بخارطة عالم اليوم الآخذ في التغير يوما بعد يوم.

إلا أن الإصلاحات السياسية الأخيرة بكوبا٬ ببلوغ راؤول كاسترو السلطة سنة 2008 و بداية تطبيع الولايات المتحدة الأمريكية لعلاقاتها مع كوبا و إسهام كوبا مؤخرا في تسوية نزاع كولومبيا و القوات المسلحة الثورية الكولومبية و إقدام كوبا على التوقيع على العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية و الثقافية و العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية و المدنية٬ فتعد مؤشرات تفاؤلية يجب استثمارها ايجابيا مستقبلا٬ غير أن سنة 2018، ستكون حاسمة بالنسبة للعلاقات المغربية-الكوبية٬ حيث ستعرف كوبا رئيسا جديدا.

و في انتظار ذلك، يرتقب بالأمد المنظور٬ استمرار كوبا بالاعتراف بتنظيم جبهة “البوليساريو” وإبقائها على إقامة علاقات دبلوماسية مع “الجمهورية الصحراوية”، و ذلك  ما لم تقم الدبلوماسية المغربية بإقناع كوبا بأخذ مواقف حيادية من نزاع الصحراء. أما توقع تعذر عُدول وشيك للجزيرة الكوبية عن موفقها من نزاع الصحراء فله ما يبرره بالأمد القصير. فبالرغم من أن فيديل كاسترو غادر إلى مثواه الأخير٬ إلا أن الحزب الشيوعي مازال قائما٬ ما يُفسر تعذر امكانية حدوث تغير وشيك بموقف كوبا تجاه النزاع.

 

استئناف العلاقة مع المغرب والحفاظ على العلاقة مع “البوليساريو”

بالنهاية، يبدو أن خيارات العلاقة المستقبلية المغربية-الكوبية لن تخرج على أحد السيناريوهات التالية. إما الحفاظ على الوضع القائم بالحفاظ على الاتصالات في إطار علاقات متعددة الأطراف و إما استئناف العلاقات تحت إكراهات العلاقات الدولية الراهنة٬ فنموذج العلاقة الدبلوماسية بين بنما والمغرب، المستمد من العلاقات المغربية-المكسيكية، قد يكون على الأرجح٬ الإطارا المرتقب للعلاقات المستقبلية المغربية-الكوبية. بمعنى آخر٬ استئناف كوبا لعلاقاتها مع المغرب و حفاظها على علاقاتها مع جمهورية  “البوليساريو” في إطار الاعتراف بجميع الأطراف من دون تمييز و على قدم المساواة.

 

أحمد بنصالح الصالحي: مهتم و متتبع للعلاقات المغربية-الإسبانية و المغربية-الأمريكية اللاتينية

مقالات ذات صلة

By 

Sign In

Reset Your Password