تبعات ثان أهم قرار تتخذه الدولة المغربية في نزاع الصحراء خلال العشرين سنة الأخيرة: العودة للاتحاد الإفريقي

علم الاتحاد الإفريقي

تعتبر 2017 سنة التحديات الدبلوماسية الكبيرة بالنسبة للمغرب لأن الدولة أقدمت على ثان أهم قرار سياسي في ملف الصحراء  منذ سنة 1999 تاريخ وصول الملك محمد السادس الى السلطة، ويتعلق الأمر بالانضمام/العودة الى صفوف الاتحاد الإفريقي بكل ما قد يحمله من انعكاسات إيجابية وسلبية في آن واحد.

وهكذا، يستمر ملف الصحراء محوريا في السياسة الخارجية والداخلية المغربية على حد سواء، وكل قرار سياسي يحمل معه تبعات كبيرة. وكانت الدولة المغربية قد أقدمت سنة 2001 على قرار شكل منعطفا في نزاع الصحراء، وهو بدء التخلي عن استفتاء تقرير المصير الذي كانت تقبل به في عهد الملك الراحل الحسن الثاني وطرح مقترح الحكم الذاتي بديلا. وترجمت قرارها عمليا سنة 2007 عندما قدمت مسودة الحكم الذاتي الى مجلس الأمن الدولي الذي رحب بها، ولكن دون اعتبارها بديلا رسميا، إذ تستمر تقارير الأمين العام للأمم المتحدة تنص على عبارة “تقرير مصير” وإن كانت كلمة استفتاء لا تحضر.

وفكرة الحكم الذاتي كانت تراود الملك الراحل الحسن الثاني، ولكنه كان يتردد في طرحها بديلا على الأمم المتحدة مخافة مما كان يعتقده “الانزياح عن الشرعية”، ولهذا كان رفقة مستشاريه يلحون على ضرورة أن تأخذ الأمم المتحدة بعين الاعتبار طلب الصحراويين الذين يرغبون في التصويت في الاستفتاء وكانت جبهة البوليساريو ترفضهم بحجج متعددة.

وإذا كان الملك محمد السادس قد قرر التخلي عن الاستفتاء الذي تبناه أبوه، فقد اتخذ سنة 2016 قرارا آخرا يعتبر ثان أهم قرار في نزاع الصحراء منذ وصوله الى السلطة وهو العودة أو الانضمام الى الاتحاد الإفريقي بعدما كان الراحل الحسن الثاني قد انسحب من هذا التجمع الذي كان وقتها يحمل اسم منظمة الوحدة الإفريقية.

وتقدم المغرب بالطلب موقعا من طرف الملك خلال يوليوز الماضي في قمة رواندا، وقام مستشاره الخاص الطيب الفاسي الفهري بتقديم الطلب الى رئيسة المفوضية الأفريقية خلال سبتمبر على هامش أشغال قمة الجمعية العامة للأمم المتحدة. وسينظر الاتحاد الإفريقي في الطلب نهاية الشهر الجاري.

ويبقى الجديد في قرار المغرب هو العودة الى اتحاد كان يصفه بالعاجز عن حل المشاكل، لكن الأخطر هو قبوله الجلوس مع جبهة البوليساريو في نفس المنتدى وبنفس الحقوق. وقبل المغرب بالجلوس مع البوليساريو، وفق تصريحات وزير الخارجية صلاح الدين مزوار دون أن يضمن عمليا العودة والقبول، ولا تبدو هذه العودة عملية سهلة عكس ما ذهبت إليه الكثير من تحاليل بعض المغاربة. وتدرك الدولة المغربية هذا، مما يفسر لماذا افتحت على موريتانيا بعد تصريحات حميد شباط لاستبعاد اي معارضة منها، وتبدأ من جديد محاكمة معتقلي أكديم إزيك أمام محكمة مدنية علاوة على التساهل مع أنصار تقرير المصير في الصحراء.

وهكذا، فالقرار بالعودة الى الاتحاد الإفريقي سيحمل انعكاسات سلبية وأخرى إيجابية، بمعنى أنه محفوف بنوع من المخاطر، التي تستعرضها ألف بوست: في هذا الصدد نقف على الإيجابيات:

أولا، الأمم المتحدة تتخذ من الاتحاد الإفريقي خلال السنوات الأخيرة طرفا يجب أن يساهم في البحث عن الحل، ولهذا بدأت تقبل بمشاركة مبعوث الاتحاد في نزاع الصحراء خواكين شيصانو في جلسات مجلس الأمن والاستماع اليه. ويعتبر مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة في النزاع كريستوفر روس مهندس هذه الفكرة.  وبالتالي، لا يرغب المغرب في مواجهة الاتحاد الإفريقي في الأمم المتحدة بل التحاور معه انطلاقا من عضويته في الاتحاد نفسه.

ثانيا، تعتقد الدولة المغربية أن سياسة الكرسي الفارغ لم تعد مجدية في ظل الدور المتعاظم للاتحاد الإفريقي في السياسة الدولية، وبالتالي من الأحسن التواجد داخل الاتحاد وعرقلة القرارت التي قد تصدر بشأن الصحراء طالما المغرب يتمتع بدعم بعض الدول التي قد تسانده في هذا المسعى. وبالتالي في حالة قبول المغرب، سنرى مواجهات قوية بين جبهة البوليساريو ومؤيدها من الجزائر وجنوب إفريقيا وزيمبابوي في مواجهة المغرب بدعم من السنغال وساحل العاج والغابون. ويرغب المغرب أنه في حالة صدور قرارات حول الصحراء وإن كانت مؤدية لاستفتاء تقرير المصير لن تكون بالإجماع كما يحصل الآن، وتخفف من لهجة تعابير البيانات مثل “تصفية الاستعمار”.

في الوقت نفسه، هناك سلبيات للقرار وقد تكون خطيرة مثل قرارات سابقة اتخذتها الدولة المغربية وانعكست سلبا عليها لاحقا ووضعتها في تناقض حقيقي. ومن ضمن هذه القرارات توقيع اتفاقية التبادل التجاري الحر مع الولايات المتحدة واستثناء الصحراء من الاتفاقية، الأمر الذي فتح الباب أمام البوليساريو. في هذا الصدد:

أولا، جزء من الرأي العام لم يتفهم بعد عودة المغرب في ظل استمرار عضوية البوليساريو بينما الاعلام الرسمي وعدد من المحللين المغاربة يعتبرون البوليساريو حركة منبوذة من طرف المجتمع الدولي، وفجأة يتقاسم معها نفس الفضاء الافريقي بل وستقرر في عودته.

ثانيا، ارتباطا بهذه النقطة، فدول الاتحاد الإفريقي ستلزم المغرب بقبول كل قوانين ومقتضيات الاتحاد الإفريقي سياسيا وتنظيميا، وبالتالي، فقبوله سيعني للمنتظم الدولي بدء اعتراف المغرب بجبهة البوليساريو، وإفريقيا سيعني بدء اعتراف الكيان الذي أعلنه البوليساريو. لأن كل عملية رفض للمغرب سيعني مباشرة رفض قبوله.

ثالثا، وارتباطا بالنقطة الثانية، طلب عضوية المغرب في الاتحاد الإفريقي يعني قبوله عضوية البوليساريو، وهذا سيجعله في موقف غير قوي أمام شيئين، الأول وهو لا يمكنه أن يضم منطقة الصحراءس في الاتفاقيات التي ستوقع مستقبلا، وإن كان القضاء الأوروبي قد أكد ذلك مسبقا في حكمه في اتفاقية المنتوجات الزراعية والبحرية خلال ديسمبر الماضي. والشيء الثاني وهو كيفية التعامل مع أنصار تقرير المصير في مدن الصحراء مثل العيون واسمارة والداخلية وباقي الحواضر، حيث سيشعرون بحرية أكبر في التعبير عن مواقفهم علانية وسط المغرب طالما هذا الأخير قد قبل بالجلوس مع البوليساريو وقبول عضويته وهو اعتراف غير مباشر. هذه الحرية ستكون على شاكلة ما يتمتع به الكتالان أو الباسك في اسبانيا، ولكن مع فارق أن هؤلاء يتواجدون في مؤسسات اسبانيا من برلمان وطني وإقليمي بينما أنصار البوليساريو يرفضون في المغرب الانضمام الى المؤسسات التشريعية المغربية.

في غضون ذلك، ورغم هذه القراءة الاستباقية، لم يضمن المغرب بعد العودة الى الاتحاد الإفريقي، إذ ترغب المفوضية الإفريقية وبعض الدول وعلى رأسها الجزائر إجراء امتحان “حسن النية” للمغرب. إذا كانت دولة جنوب السودان قد انضمت الى الاتحاد الإفريقي في ظرف أسابيع قليلة، فالأمر يختلف مع المغرب بسبب قضية اعتراف البوليساريو. وأكدت رئيسة المفوضية الإفريقية دوليماني زوما هذا التوجه عندما رفضت توزيع طلب المغرب على الدول الأعضاء، مما أدى الى احتجاج المغرب رسميا على التماطل.

وعليه، فقد قدم المغرب التنازل الأول وهو العودة الى الاتحاد الإفريقي دون تجميد عضوية الدولة التي أعلنتها البوليساريو، وفي المرحلة الثانية سيكون مطلوب منه الاعتراف بكل أعضاء الاتحاد الإفريقي بما في ذلك الجمهورية التي أعلنتها البوليساريو.

وهنا لكل واحد قراءته في موقف المغرب، هل القرار غير صائب أم صائب؟

By 

Sign In

Reset Your Password