تغيير واشنطن لسياستها تجاه العرب بدأ سنة 2007 عندما انقلبت المؤسسات على جورج بوش

رؤساء الولايات المتحدة، بيل كلينتون، جورج بوش وباراك أوباما

تستمر المقابلة الشهيرة للرئيس الأمريكي باراك أوباما مع مجلة ذي أتلنتيك في عددها الشهر الماضي بقوله بتراجع أهمية الشرق الأوسط في أجندة واشنطن ونعت العربية السعودية برعاية التطرف مقابل الثناء على إيران في التسبب في ردود فعل قوية ومتباينة لاسيما مع اقتراب حضوره قمة مجلس التعاون الخليجي.

ويعالج الكثير من السياسيين والمحللين تصريحات أوباما بأنها مواقف خاصة وخلاصات شخصية توصل لها بعد ثمانية سنوات من الحكم في البيت الأبيض، لكن الواقع العميق للسياسة الأمريكية مختلف نهائيا. يعتبر باراك أوباما مجرد مترجم لتوجهات الدولة الأمريكية التي جرى تبنيها منذ سنوات ليست بالقصيرة ولا تعود الى فترة حكمه. وهذا من المميزات الرئيسية للفكر والممارسة السياسية الأمريكية.

فإذا عدنا الى أوائل التصورات والأطروحات التي أنتجها الفكر السياسي في هذا البلد وتبناها البيت الأبيض سنجد عقيدة مونرو التي تعود الى العشرينات من القرن التاسع عشر تنسب الى الرئيس الخامس للولايات المتحدة جيمس مونرو. لكن البحث عن جذور هذه العقيدة سنجدها في العقد الثاني من القرن التاسع عشر عند سياسيين ومفكرين وأبرزهم جون أدامز الذي سيصبح بدوره رئيسا للولايات المتحدة. ومفادها أن القارة الأمريكية للأمريكيين، وبدأت تتبلور عند المؤسسة العسكرية الأمريكية بعد استقلال دول أمريكا اللاتينية عن اسبانيا وخوف واشنطن من اقتحام الاستعمار الفرنسي والبريطاني لجنوب القارة. وعندما جاءت في خطاب مونرو الى الشعب سنة 1823 أصبحت تنسب له.

التحول الحالي في الدبلوماسية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط يحمل اسم “عقيدة أوباما” ويمكن تلخيصه في ثلاثة محاور منها المعلن وغير المعلن عنها، يتجلى في: تغيير السياسة نحو الشرق الأوسط نحو عدم التورط في مشاكل دولها باستثناء إذا جرى تهديد الأمن القومي الأمريكي، الاهتمام أكثر بمنطقة المحيط الهادي التي بدأت تتحول الى القطب الاقتصادي العالمي الجديد، ثم بناء الجبهة الداخلية الأمريكية وتطوير العلاقات مع دول الجوار وهي كندا والمكسيك ونسبيا باقي أمريكا اللاتينية.

واتخذت هياكل الإدارة الأمريكية وعلى رأسها العسكرية هذا التوجه الجديد مباشرة بعد الحرب ضد العراق سنة 2003 والتي كانت كارثية على المجتمع الأمريكي بسبب ما تطلبته من نفقات ثم عودة الكثير من الجنود معطوبين جسديا ونفسيا ويتسببون في مشاكل بدأت تصبح بنيوية في المجتمع الأمريكي. المؤسسات الأمريكية اتخذت قرارا بعدم مسايرة مخططات الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن وأحلامه الدينية التي كان يؤمن بها رفقة مجموعة من المحافظين الجدد. ونجد المنعطف الحقيقي ما بين سنتي 2006 و2007. فخلال سبتمبر 2006، أكدت إدارة جورج بوش أنها تدرس إمكانية شن حرب على إيران لتنهي برنامجها النووي.

تحفظ القادة العسكريون على الدخول في مغامرة حربية جديدة في وقت كان العالم يسخر من دلائل واشنطن في تبريرها الحرب ضد العراق بوهم وجود أسلحة نووية وكيماوية. وبعد مرور شهور، قدمت مختلف الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية، البعض منها معروف والآخر غير معروف بما فيه الكفاية للرأي العام، تقارير موحدة الى البيت الأبيض مفادها أن إيران لا تطور القنبلة النووية.  وشن جورج بوش وصقوره حملة ضد مختلف أجهزة الاستخبارات سنة 2007 واتهمها بالتغليط المتعمد، وكان بداية حرب نوعية ضد البيت الأبيض من داخل المؤسسات الأمريكية تجلت في استقالة بعض الجنرالات من الجيش احتجاجا على مخططات بوش، وبدء تسريب موظفين أخبار الى الصحافة حول إيران تحرج إدارة جورد بوش الأبن.

ومن ظهورها، لم يسبق لهذه الأجهزة الاستخباراتية أن توصلت الى نتائج موحدة بل كانت دائما متباينة في تقاريرها. فهي كانت تدرك أن حربا ضد إيران ستكون كارثية على مستقبل الولايات المتحدة التي كانت وقتها قد سجلت أعلى نسبة من الفقر وسط سكانها منذ الأزمة المالية لسنة 1929، وسجلت أكبر نسبة من المعتقلين في العالم بنسبة 4% من سكانها في السجون. وتولى سياسيون/مفكرون أمثال بريجنسي وبرينت سكرووكرفت اللذان عملا مستشاران للأمن القومي سابقا الصوت الرافض للمغامرة ضد إيران والتحذير من انهيار الولايات المتحدة في حالة حرب مماثلة.

نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني شكك في التقارير، بينما لم يتردد أحد صقور إدارة جورج بوش جون بولتون بالقول أن :الاستخبارات نفذت انقلابا على جورج بوش”.

بالموازاة مع هذا الحدث، انتشرت وسط الهياكل العميقة للإدارة الأمريكية أطروحة “إمكانية تعايش الولايات المتحدة مع إيران نووية مثل التعايش الحالي مع باكستان”.

في تلك السنة، 2007، حدث المنعطف الحقيقي بشأن استراتيجية واشنطن تجاه الشرق الأوسط ضدا على سياسة ساكن البيت الأبيض وقتها جورج بوش الإبن، وبعد مرور عشر سنوات تقريبا جاء أوباما لكي يترجم ذلك علانية في حوار ذي أتلنتيك.

وعليه، لمعرفة التوجه المقبل الآخذ في التبلور وسط الدولة الأمريكية لنرى موقف بعض الجنرالات الذين ينقلون ما يجري في الدهاليز الورائية لصناعة القرار المستقبلي الذي يتجاوز أحيانا الرؤساء،.

في المقام الأول نجد الجنرال مايكل فلاين، كان قائد القوات الخاصة التي تتولى العمليات الخاصة، وهي ذات أهمية قصوى في الجيش الأمريكي، ثم مديرا للاستخبارات العسكرية ذات الثقل الوازن في صناعة القرار حتى تقديم استقالته سنة 2014 بسبب الملف السوري. هذا الجنرال يعّبر عن توجه وسط الجيش الأمريكي الذي يدعو الى ضرورة التفاهم مع روسيا لتساعد في إنهاء الأزمة السورية والمشاركة في إرساء السلم في العالم. يدعو الى ضرورة الفاهم الكبير مع روسيا بدل الصراع معها مستقبلا،وهذا قد يترتب عن

والجنرال الثاني هو دفيد بيترويس مدير المخابرات سي أي إيه سابقا الذي يقول أن مستقبل الولايات المتحدة يتجلى في وحدة متقدمة لهذا البلد مع المكسيك وكندا ثم الانفتاح على أمريكا اللاتينية.

التوجهات الكبرى في السياسة الخارجية الأمريكية لا تأتي مع الرؤساء بل مع ما ترسمه المؤسسات التي تشكل ركيزة الدولة، ويكون بعد الرؤساء بمثابة الناطقين باسم هذه التغييرات.

By 

Sign In

Reset Your Password