تقرير مندوبية التخطيط حول الواقع المر للاقتصاد المغربي يساءل ثقافة التملق والكذب

بنك المغرب

قدم مندوب المندوبية السامية للتخطيط أحمد الحليمي صورة قاتمة للغاية عن الاقتصاد المغربي، واصفا إياه بالهش وبضرورة البحث عن نموذج جديد بعدما ارتفعت الديون الى مستويات مقلقة للغاية واستمرار الحاجة لها مستقبلا. وهذا التقرير الذي يعكس الواقع المر يساءل ثقافة التملق لدى الخبراء الذين كانوا يروجون لأطروحات مختلفة، كما يساءل الدولة المغربية حول مستقبل البلاد بعدما بدأت الركائز الحقيقية لكل أمة تتدهور وهي التعليم والصحة والشغل.
وخلال ندوة بحر الأسبوع الجاري في الرباط، قدم لحليمي معطيات مقلقة وهي: ارتفاع المديونية المغرب الى ما يفوق 80% من الناتج الإجمالي الخام للبلاد، حاجة البلاد سنة 2017 الى ثلاثة ملايير و500 مليون دولار ستقترضها من المؤسسات المالية الأجنبية خلال السنة الجارية. ومبرزا أن الدين العام ارتفع خلال الست سنوات الأخيرة بما يفوق 22 نقطة. كما شدد على العجز التجاري، علما أن نسبة من الواردات تهم المواد الغذائية.
ومن ضمن النقاط الرئيسية هو اعتراف الحليمي بنسبة من النمو بالكاد وصلت الى 1،1% خلال سنة 2016 ، وهي نسبة متدنية وتعاكس كل التوقعات السابقة. ( وللتذكير قالت الحكومة وصندوق النقد الدولي بأن النمو سنة 2016 سيكون 4،1%). والمفارقة أنه عند بداية كل سنة يقدم المسؤولون رقما للنمو متفائلا ويتضح الخطئ. والمغرب من الدول القليلة جدا في العالم التي يبلغ هامش خطئ تقييم النمو الاقتصادي حتى 3%، بينما هامش الخطئ في الدول الأخرى لا يتعدى في أقسى الحالات نصف نقطة. ولا يمكن تبرير هامش الخطئ 3% بالجفاف كما يجري دائما. كما لا تخبر المندوبية أو الدولة نسبة المساعدات المالية الغربية والعربية في نمو الاقتصاد المغربي.
وتبقى أخطر جملة واردة في تصريحات وتقرير الحلمي هو أن أداء الاقتصاد المغربي لن يحقق مستوى من النمو لخلق الثروات على المدى البعيد وخلق النمو الكافي للتمويل لتحقيق الإقلاع الحقيقي. وهذا التصريح يؤكد سقوط الاقتصاد المغربي في دوامة الاستدانة من الخارج بشكل مستمر على الأقل خلال العقدين الأخيرين، إلا إذا وقعت معجزة ووجدت آبار نفط أو غاز وافرة.
في الوقت ذاته، وضعية الاقتصاد المغربي والخلاصة المقلقة لمندوبية التخطيط تبرز الوجه البشع للأزمة المسكوت عنه وهو استمرار تدهور قطاعات رئيسية في البلاد وهي الصحة والتعليم والشغل. ويعاني المغرب منذ أكثر من عقد تدهور هذه القطاعات الثلاث الى مستويات تدعو الى اليأس، حيث المستشفيات دون المستوى، وقطاع التعليم يسجل تدهورا من موسم الى آخر، بينما أبواب التوظيف في القطاع العمومي تنغلق رويدا رويدا. ولن يخلق الاقتصاد المغربي الغنى الكافي لتمويل هذه القطاعات الحيوية مستقبلا. ويضاف الى كل هذا، ورغم أن المغرب دولة زراعية، فهم لم يحقق الاكتفاء الغذائي، ويضطر الى الاستيراد مما يزيد من الخلل في الميزان التجاري.
إن القطاعات الأربعة، التعليم والصحة والشغل والاكتفاء الغذائي تعتبر من ركائز الأمن القومي، ولا يمكن لأي بلد أي يحقق نهضة حقيقية بدون تحقيق قفزة نوعية في هذه القطاعات الأربع أو على الأقل ثلاثة منها.
إن تقرير المندوبية وتقارير أخرى تكذّب ثقافة التملق التي انتشرت وسط بعض الباحثين ومنهم أكاديميين الذين يحررون تقارير تقول بصلابة الاقتصاد المغربي، كما تكذّب التقارير الصادرة عن تلك المعاهد “الاستراتيجية” الأجنبية المزيفة التي يصدر تقارير تحت الطلب، بينما الواقع الحقيقي للاقتصاد المغربي تجاوز مرحلة القلق الى مرحلة سيئة للغاية. كما تساءل بعض وسائل الاعلام التي تنشر هذه التقارير المزيفة بدون التمعن فيها.
إن التقدم الاقتصادي والقول بتحول المغرب الى دولة صاعدة يجب أن يلمسه في البدء المواطن المغربي في الصحة والعمل والتعليم والتغذية، لكن واقع المواطن المغربي يعكس أشياء مختلفة للغاية، وأغلبها سلبي. هل يمكن الادعاء بأن المغرب يشهد تنمية وتطورا بينما هو غارق في المديونية وقطاعاته الحيوية تتراجع؟
إن الاقتصاد المغربي يقترب من مرحلة “المرض المزمن” ولعل أول دواء يتطلب هو وضع حد لثقافة التملق والتقارير الزائفة والاعتراف بعمق الأزمة التي تمر منها البلاد، والتفكير في وصفة حقيقية للإقلاع الاقتصادي تمر عبر إعادة النظر في الأولويات وتوظيف برغماتي لثروات البلاد وإنهاء الفساد والانفتاح على المؤسسات التي لها مصداقية وليس “معاهد الماكياج الرخيص” الذي ينمحي مع أول قطرة ماء أو عرق.

نقالات ذات صلة

3 أبريل 2013

حكومة المغرب أكثر خطئا في العالم بشأن تحديد النمو الاقتصادي السنوي بهامش يصل الى نقطتين ونصف

28 مايو 2015

عكس خطاب الدولة الرسمي، مركز الظرفية الاقتصادية يؤكد صعوبة انتقال المغرب الى مصاف الدول الصاعدة

30 يوليوز 2016

تناقضات تقرير والي بنك المغرب يتحدث عن 4،5% من النمو في ظل الأزمة الاجتماعية وارتفاع المديونية والبطالة

مقالات ذات صلة

By 

Sign In

Reset Your Password