تناقضات تقرير والي بنك المغرب يتحدث عن 4،5% من النمو في ظل الأزمة الاجتماعية وارتفاع المديونية والبطالة

بنك المغرب

قدم والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري تقريره الاقتصادي لسنة 2015 للملك محمد السادس، وتحدث عن نمو اقتصادي بلغ 4،5%، لكن لم يقدم شروحات كافية كيف يعقل تسجيل هذه النسبة من النمو دون أن تظهر بوضوح على سوق العمل وعلى رفاهية السكان والتقليل من الديون الخارجية. كما يطرح التقرير تساؤلات عن أطروحة الدولة حول “الدولة الصاعدة”.

ويمكن تلخيص التقرير في النقاط التالية وهي تحقيق نسبة نمو بلغت 4،5% بفضل الزراعة، ويضاف الى هذا تراجع القطاعات غير الفلاحية التي سجلت نموا بطيئا للغاية، كما أن الأجواء العامة في البلاد غير مشجعة على الاستثمارات. ومن ضمن الفقرات الهامة المعبرة عن التقرير “قد بدأت وتيرة النمو تتباطأ في السنوات الأخيرة، حيث تراجع نمو الأنشطة غير الفلاحية وضعفت قدرة الاقتصاد على خلق فرص الشغل، مما يثير التساؤل حول مدى استطاعة النموذج التنموي الحالي مواصلة الاستجابة لحاجيات المواطنين وتطلعاتهم”.

وفي فقرة أخرى يبرز تقرير والي بنك المغرب أن البلاد “في حاجة الى إعادة النظر في النموذج التنموي وفي أسلوب إعداد وتنفيذ السياسات العمومية، وعليه يجب اعتماد التخطيط الاستراتيجي من أجل رؤية شاملة”.

ولا يقدم التقرير معطيات مقنعة حول النمو الحقيقي لأن تحقيق 4،5% يعتبر مرتفعا للغاية خاصة وأن شركاء المغرب في الاتحاد الأوروبي يعانون من أزمة حقيقية. وهناك معطيات تجعل نسبة النمو مشكوك فيها على ضوء معطيات الواقع، وهي التي لا يجيب عنها التقرير بل يسقط في تناقضات كبيرة للغاية. في هذا الصدد:

تعتبر هذه النسبة متناقضة لأن 4،5% من النمو وإن كان عمادها هو الزراعة يجب أن تبرز في سوق العمل بخلق ما يقارب نصف مليون منصب شغل على الأقل في القطاع الخاص والعام. ولكن سوق العمل المغربي لا يخلق فرص العمل بل أن الدولة أغلقت باب التوظيف العمومي. وسيكون المغرب حالة استثنائية في تاريخ الاقتصادي الذي يحقق 4،5% دون خلق مناصب شغل كافية. هل مقولة الاستثناء المغربي تمتد الى الاقتصاد كذلك؟ وحتى في حالة تطبيق نظرية أرثور أوكون الأكثر تشاؤما في الاقتصاد التي تؤكد أنه مقابل كل نقطتي نمو يتم التقليل بنسبة نقطة من البطالة، فهذا لا يحدث في حالة المغرب، وفق تقرير جواهري.

نسبة نمو تناهز 4،5% يجب أن تظهر بجلاء في تحقيق قفزة في قطاع العقار لأن هذا القطاع هو من المعايير التي تشكل عنوانا للإزدهار والرفاهية، بينما قطاع العقار يعاني من أزمة خانقة في المغرب في الوقت الراهن.

نسبة نمو تعادل 4،5% تعني في الوقت ذاته تراجع المديونية الخارجية والداخلية، لكن ما حصل سنة 2016 هو ارتفاع الطلب على القروض الخارجية بينما كان يجب حصول العكس لأن سنة 2015 يجب أن تجعل سنة 2016 سهلة نسبيا من الناحية المالية فيما يتعلق بالقروض.

والمثير في التقرير أنه لا يتحدث عن نسبة المساعدات المالية الدولية سواء الغربية والعربية في نسبة النمو الاقتصادي. فالمغرب يتوصل بقرابة مليار دولار من مساعدات من دول متعددة، وهذا يعني 1% من نسبة النمو. ويضاف الى هذا أن التقرير لا يتحدث عن تراجع التزامات الدولة في الخدمات الاجتماعية مثل بناء المستشفيات والمدارس والجامعات وكذلك التقليص من الاستثمارات العمومية التي تخلق مناصب الشغل.

ومن التناقضات الكبرى في التقرير هو حديثه عن تحقيق قفزة نوعية في التنمية البشرية، فهو يتماهى مع الخطاب الرسمي بعيدا عن الواقع. وتبرز التقارير الدولية هشاشة التنمية البشرية في المغرب، ويكفي قراءة هذه التقارير لمعرفة هذا الحقائق أو القيام بجولة في المجال القروي للوقوف على سوء التعليم وغياب الضروريات مثل الماء والكهرباء والمستشفيات.

ولعل قمة التناقض في التقرير هو كيف يشيد بتحقيق قفزة في  التنمية البشرية وفي الوقت ذاته يطالب بإعادة النظر في النموذج  التنموي المغرب لأنه لا يلبي الطموحات؟ هل يمكن الاستغناء عن نموذج تنموي حقق تنمية بشرية؟ سيكون نوع من العبث لأن الأمر يتطلب تطويره وليس الاستغناء عنه.

وفي ملاحظة أخرى وهي ذات طابع استراتيجي، طرح الملك سنة 2014 أن المغرب نحو الانتقال الى دولة صاعدة. وإذا كانت التقارير الدولية تقول العكس، وكانت تحاليل ألف بوست في الفترة نفسها تستبعد تحقيق هذا الطموح لأن مؤشرات الواقع صعبة، كيف يمكن تحقيق هذا الحلم بينما تقرير بنك والي المغرب يؤكد فشل النموذج التنموي المغربي وينادي بضرورة إعادة النظر فيه.

منطقيا، عندما تحقق دولة نسبة نمو تتعدى 4%، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية، تدعو الى التشبث بنموذجها الاقتصادي وليس المطالبة بالتخلي عنه.

مقالات ذات صلة

By 

Sign In

Reset Your Password