توفيق رباحي: اتهامات مساهل للمغرب بتبييض أموال المخدرات تستوجب تأكيد الاتهامات أو تقديم الاستقالة

وزير خارجية الجزائر عبد القادر مساهل

الكلمات الصادرة عن وزير الخارجية الجزائري، عبد القادر مساهل، تجاه المغرب فالتة وصادمة على أكثر من صعيد، اقلها المضمون الذي يشبه كلام الشوارع، والمصدر الذي هو وزير خارجية من المفروض والمنتظر منه أن يتحلى بحذر ومسؤولية أكبر.
لكن الوجه الآخر للقصة هو أن الوزير مساهل قال بصوت عالٍ ما يفكر فيه ويقوله الكثير من المسؤولين الجزائريين بصوت منخفض. والدليل ما صرح به مصدر مسؤول بالخارجية (لم يذكر اسمه) لصحيفة «الوطن» الصادرة الأحد من أن ما قاله مساهل «ليس جديداً، بل موجود في تقارير الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي. وقادة الدول يشتكون من تدفق المخدرات المغربية إلى بلدانهم».
تذكير قبل الاستمرار في النقاش: مساهل حلّ الجمعة الماضية ضيفا على منتدى أرباب العمل الجزائريين (هيئة موالية للحكومة ولبوتفليقة). مما تضمنته كلمة ألقاها على الحضور، اتهامات للمصارف المغربية بأنها تُبيّض أموال الحشيش في أفريقيا، (قال إن رؤساء دول أفارقة أبلغوه بذلك). واتهامات للخطوط الملكية المغربية بأنها تنقل المخدرات نحو أفريقيا أكثر مما تنقل مسافرين. وصف الإشادات بأجواء الاستثمار في المغرب، على لسان بعض الجزائريين، بأنها «كلام فارغ» ـ أعقب ذلك تصفيق من الحاضرين. ثم مضى بحدة: في شمال أفريقيا لا يوجد بلد يستحق الذكر، لا مصر ولا ليبيا ولا تونس ولا المغرب. هناك بلد واحد هو الجزائر، قال مساهل.
يُعرَف عن مساهل بأنه صاحب جرأة وبأن لسانه يسبقه في بعض الأحيان في الأحاديث الجانبية، غير المسجلة وغير الرسمية، لذا لم يُمسَك يوما بتجاوز لفظي ذا صلة بمنصبه الدبلوماسي. لكن الأمر هذه المرة تعبير عن موقف مع إصرار مسبق: الرجل تحدّث وزاد والناس تصفق. لا يمكن أن تكون هذه زلة لسان.
ربما تكلم بحدة رداً على استفزاز شعر به من الحديث المتكرر في الجزائر عن إيجابية مناخ الاستثمار في المغرب، وعن قدرة الأخير في السنوات الأخيرة على التغلغل السياسي والاقتصادي في القارة الأفريقية التي يُفترض أنها الملعب التقليدي للدبلوماسية الجزائرية، أي لمساهل ذاته باعتباره وزير الخارجية اليوم، ووزير الدولة في الخارجة مكلف بأفريقيا والمغرب العربي سابقا.
إذا صحَّ هذا التحليل، فهناك أسئلة حقيقية حول أهلية الرجل لقيادة دبلوماسية بلد محاط بالحرائق والأزمات. مصالح أي بلد دوليًا وإقليميًا لا تُحمى ولا تُدار بردود الفعل المتشنجة.
وقد يكون الرجل تحدث بثقة غير مدرك أن كلامه مسجّل. ربما نسيَ، وهو الذي يقود دبلوماسية تعمل بميكانزمات الحرب الباردة، أن العالم استسلم لوطأة كاميرات ومايكروفونات الهواتف المحمولة (مهما كانت تافهة)، وأن البشرية التي أنجبت إدوارد سنودن وجوليان أسانج باتت ترفض أن يبقى فيها سرٌ قابل للكتمان.
إذا صحَّ هذا التحليل، فالرجل مدعو إلى مراجعة الكثير من الأوراق والتفاصيل، وعليه أن يتصرف من منظور أن الحرب الباردة انتهت ورموزها انقرضوا، والأعداء تغيّروا في الشكل والمضمون.
وقد يكون لا هذا ولا ذاك.. الرجل يدرك خطورة كلماته وما سيترتب عنها من تدهور في العلاقات الجزائرية المغربية، وعلى الرغم من ذلك أصرَّ على إطلاقها بحيث تصل إلى مبتغاها لهدف ما تريده السلطات الجزائرية.
إذا صحَّ هذا التحليل، فالمعنى هو أن الجزائر غير جاهزة لأي تصالح مع المغرب. بل أسوأ من ذلك، لا تريده وهي تعمل على القضاء على أي أمل في التقارب وإصلاح ذات البين. ذلك ان تصريحات مساهل، بالنظر إلى منصبه الحساس، تتساوى مع أزمة صيف 1994 (هجوم مراكش والاتهامات المتبادلة بين البلدين على إثره) وتكفي لتغذية عقود أخرى من الضغينة.
بالمنطق الدبلوماسي المجرد، الجزائر في أزمة ووزير خارجيتها كذلك. أمام السلطات الجزائرية طريقان لمعالجة الموقف وتبعاته: أحدهما، تحمل مسؤولية ما ورد على لسان مساهل، والشد على يده باعتباره نطق باسم الدولة الجزائرية في مقام رعته الدولة الجزائرية. وهذه لها تبعات معنوية ودبلوماسية، إقليميا وحتى دوليا، يجب أن تكون الجزائر جاهزة لها.
الطريق الآخر، أن تعلن السلطات الجزائرية براءتها مما ورد على لسان وزير خارجيتها، وتصرّح بأن ما قاله لا يُلزم الدولة الجزائرية. وهذه لها ضريبة أقلها دعوة مساهل إلى الاستقالة، أو عزله بقرار فوقي. هذه لها تبعات هي الأخرى، أبرزها أنها ستضع المغرب في موقع المنتصر دبلوماسيا ومعنويا، وهذا أمر غير مقبول وغير محتمل لدى المسؤولين السياسيين الجزائريين.
المسؤولون الجزائريون يقبلون بكل شيء وأي شيء إلا أن يظهروا صغارا أمام المغرب. هذه عقيدة مزمنة.
هذا الواقع يجعل من احتمال استقالة مساهل بإرادته أمرا مستبعدا، لأن الاستقالة، وإن كانت قرارا فرديا، فسياقها وقراءاتها يخصان السلطة الجزائرية في صراعها الأزلي مع «عدو» اسمه: المغرب.
وارد أيضا، والدولة الجزائرية بلا رأس، أن لا شيء من هذا في الأفق، لا يستقيل مساهل ولا يُقال، وتستمر الحياة كأن شيئا لم يكن. كل ما في الأمر أن ما بدر منه هو بمثابة طعنة سكين أخرى في جسد العلاقات الجزائرية المغربية النازف منذ خمسة عقود.

 

توفيق رباحي صحفي جزائري

By 

Sign In

Reset Your Password