جوائز نوبل عنوان آخر لتخلف العالم العربي/ د. حسين مجدوبي

كتب

أعلنت أكاديمية نوبل للعلوم خلال الأيام الأخيرة عن الجوائز الخاصة بالسنة الجارية 2017، وغابت بشكل ملفت أخبار الجوائز في الصحافة العربية الرقمية والتلفزيونية مثل المقالات التحليلية والبرامج الخاصة باستثناء إشارات قصيرة وكذلك بعض الأخبار التي تدخل في خانة التآمر على حرمان العرب من هذه الجائزة الدولية ولاسيما في مجال الإبداع العربي. لكن هذه الجوائز تبرز مجددا تخلف العالم العربي في الوقت الراهن مقارنة مع باقي الأمم والحضارات.

وجوائز نوبل تعتبر تتويجا لمسيرة علمية لباحثين مرموقين في شتى التخصصات العلمية باستثناء بعض التخصصات وعلى رأسها الرياضيات التي أحدثت لها جائزة فيلدز التي تعادل نوبل. ويواكب منح الجوائز جدل كبير لاسيما جائزتي السلام والأدب، ويعد هذا أمرا عاديا بحكم اختلاف الرؤى السياسية والمنطلقات الفلسفية في رؤية الأحداث.

وأثارت بعض الجوائز وخاصة في خانة السلام احتجاجات وقت منحها أو لاحقا. وإذا عدنا الى تاريخ الجائزة، فقد واكبها احتجاج عندما جرى منحها لكل من الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات والإسرائيليين شيمون بيريز وإسحاق رابين سنة 1994، فالرأي العام العربي يرى في رابين وبيريز إرهابيين، وبدوره يرى الجانب الإسرائيلي في عرفات إرهابيا. ويواكب جائزة السلام لغط كبير هذه الأيام بعدما دعت أصوات عالمية الى ضرورة سحبها من البيرمانية أونج سان سو كي لصمتها على المجازر والتهجير التي يتعرض له مسلمو  “الروهينغا” بيرمانيا أو مينمار حسب التسمية الحديثة. كما ترتب عن منح نوبل للسلام للرئيس باراك أوباما سنة 2009 لغطا سياسيا نظرا للقرارات العسكرية التي اتخذها لاحقا.

وحظ العرب من جائزة نوبل ضعيف نظرا لتاريخهم وموقعهم الجغرافي، ويقتصر عموما على جائزة السلام ممثلة في الرئيس المصري أنوار السادات (1978) وياسر عرفات (1994) ومحمد البرادعي (2005) وتوكل كرمان (2011) وأخيرا الرباعي التونسي (2015)، والجائزتان الأخيرتان هما تكريم للربيع العربي، هذا الربيع المرفوض بشدة من طرف النخب الاستبدادية في العالم العربي.

وفي مجال الأدب، يستمر الأديب نجيب محفوظ وحيدا وبدون مرافق بعد حصوله على الجائزة سنة 1988، وفي باقي التخصصات كان شرف حمل هذه الجائزة للمصري أحمد الزويل في مادة الكمياء سنة 1999. ولا ندري الى أي حد يمكن اعتبار جائزة نوبل للكمياء لألياس جيمس خوري  سنة 1990 جائزة عربية بحكم أن لجنة الجائزة تنصفه أمريكيا رغم جذوره اللبنانية.

واعتاد العرب انتقاد جائزة نوبل في شقيها السلام والأدب. وعادة ما ينتقدون كل شخصية فازت بنوبل للسلام إذا سبق وأن كانت له مواقف من قضايا مثل القضية الفلسطينية. في الوقت ذاته، يعتقدون الى مستوى المؤامرة، وخاصة فئة من النقاد، بتهميش لجنة نوبل للإبداع العربي. ويقيس البعض من هؤلاء النقاد مصداقية نوبل للآداب سنويا إذا منحت أم لا للشاعر أدونيس.

وتبقى المفارقة الكاريكاتورية هي عندما رشحت لجن، قبضت الثمن مسبقا، زعماء عرب للجنة السلام، وهم الحكام الغارقون في الفساد والدكتاتورية والاغتيال، ومن لم يصدف فليطلع على أرشيف الترشيح لدى هيئة جائزة نوبل.

لكن الجدل العربي لا يمتد الى جوائز أخرى مثل الطب والكيمياء والفيزياء والاقتصاد، لوعي الاعلام العربي بضعف الإنتاج في هذه المجالات حيث لا مجال للجدل والمشاكسة، بل لا تهتم الصحافة العربية بجوائز النوبل المخصصة لمثل هذه التخصصات. وهذا يعود الى ثلاثة عوامل أساسية: غياب الاهتمام  بباقي الجوائز يعود الى ضعف اهتمام الاعلام العربي بالعلوم عموما، إذ من الصعب العثور على ملحق إعلامي في الجرائد أو تخصيص أي جريدة رقمية حيزا مستمرا للعلوم.

ومن جهة أخرى، يتجلى العالم الثالث في ضعف البحث العلمي في العالم العربي، بينما العامل الثالث وله ارتباط بالثاني هو ضعف مركزية الجامعة في الحياة السياسية والثقافية في العالم العربي. وتكاد تكون الجامعات العربية عموما، مع استثناءات نادرة، بمثابة ملحقات إدارية للسلطات وليس مجالا للعلم والبحث والتقدم. وإذا تأملنا حالة العالم المصري الفائز بنوبل للفيزياء أحمد زويل، فهو نتاج الجامعة الأمريكية التي وفرت له جميع شروط البحث العلمي وليس نتاج الجامعة المصرية.

وعمليا، من الصعب إنتاج الجامعة العربية لباحثين مؤهلين للفوز بجائزة نوبل في تخصصات مثل الفيزياء والاقتصاد والكيمياء مثلا بحكم احتلال الجامعة العربية مراكز متأخرة في الترتيب العالمي للجامعات. واعتاد الغرب وخاصة الأنجلوسكسوني الفوز بهذه الجوائز نظرا لاحتلال الجامعات الغربية المراكز الأولى عالميا. وليس من باب الصدفة فوز باحثين من جامعات عريقة مثل هارفارد وبرينستون وكامبريدج وأكسفورد بالجوائز العلمية.

قد ننتقد نوبل في تخصص الأدب والسلام بسبب اختلاف معايير تقييم الأداء السياسي والابداع العربي، لكن من الصعب انتقاد نوبل في مجالات الكمياء والفيزياء والاقتصاد والطب لاعتمادها معايير علمية حقيقية. وعموما، تبقى جوائز نوبل معيارا على تقدم الأمم والحضارات. وقياسا على هذا، فهذه الجوائز عنوان آخر للتأخر والتخلف الذي ينخر العالم العربي منذ قرون من الزمن.

 

By 

Sign In

Reset Your Password