ردا على استفزازات ترامب، المكسيك قد توجه ضربة جيوبولتيك لواشنطن إذا اختارت رئيسا يساريا وعززت التعاون مع الصين

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (اليمين) وزعيم اليساري المكسيكي لوبيث أوبرادور

يوم 20 يناير الجاري سيتولى دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة، وهناك ترقب عالمي أشبه بأفلام هيتشكوك بشأن القرارات التي سيطبقها عاجلا، فالأمر يتعلق بأكبر دولة اقتصادية وعسكرية في العالم وكل قرار تتخذه يمس دول العالم. لكن ترامب أكد مجددا أن أهم ما في أجندته آنيا هو الصين والمكسيك، هذه الأخيرة التي قد تشكل أكبر تحدي لواشنطن بعد الحرب الباردة إذا قررت سياسة حقيقية للانفتاح على الصين واختيار اليساري المناهض للولايات المتحدة لوبيث أوبرادور رئيسا السنة المقبلة.

في مقالات سابقة، تم التشديد على الشغل الشاغل للقيادة الجديدة في الولايات المتحدة بملفين أساسيين، الأول وهو الصين والثاني وهو المكسيك. ويعتبر ترامب مرشح المؤسسة العسكرية العميقة التي ترفض الأوضاع الحالية للبلاد التي أوصلتها إليه التحالف بين المؤسسات المالية والإعلام وبعض الأجنحة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، أو ما يسمى عموما بالإشتبلشمنت. وكان بيان تأييدي لأكثر من مئة جنرال وأدميرال خلال الحملة الانتخابية بليغا ثم رهان ترامب على جنرالات في الوزارات المركزية هو دال للغاية علاوة على جيش من المستشارين من العسكريين السابقين الذين سيلتحقون بالإدارات المركزية.

وخلال ندوته الصحافية يوم الأربعاء الماضي، ركز ترامب على موضوعين الأول وهو تعديل الخلل في الميزان التجاري الذي هو لصالح الصين وكبح هذا البلد استراتيجيا في ما يوصف بتوسعه في المحيط الهادي. وتعتبر واشنطن الصين الخطر الحقيقي مستقبلا أكثر من روسيا. ويتجلى الموضوع الثاني في بناء سور لمواجهة الهجرة المكسيكية حتى لا ترتفع نسبة المكسيكيين واللاتينيين إلى أكثر من 10٪ من الساكنة الأمريكية. وكان المفكر العسكري الراحل سامويل هانتنغتون ركز قبل رحيله على ضرورة كبح الهجرة المكسيكية في كتابه «من نحن». وقال ترامب أنه سيبدأ عما قريب بناء السور، بل شرع مهندسون في بحث نوعية الأسوار التي يجب تشييدها في المناطق التي يتسلل منها المهاجرون. لكن القرارات التي يتخذها ترامب لها صدى مضاد، حيث لن تكتفي الدول التي ستتأثر كثيرا وهي الصين والمكسيك بالتفرج بل سترد سواء على مستوى مؤسساتها أو شعوبها وخاصة المكسيك التي قد تشكل للولايات المتحدة أكبر تحد بعد الحرب الباردة.

المكسيكيون والاهانة

ومن خلال جولة في مقالات وتحاليل الصحافة ومراكز التفكير الاستراتيجي في المكسيك، يتضح مدى الإهانة التي يحس بها المكسيكيون جراء تركيز دونالد ترامب على بلدهم، فقد اتهم معظم المهاجرين من المكسيك باللصوص والمتورطين في تجارة المخدرات والاغتصاب. وفي الوقت ذاته، رفض تحول المكسيك إلى القاعدة الاستثمارية الخلفية للشركات الأمريكية والعالمية للتصدير لاحقا للسوق الأمريكية، ومن الأمثلة التي حصلت مؤخرا تهديد ترامب لكل من شركتي السيارات فورد وتويوتا بأنه سيفرض عليهما ضرائب مرتفعة إذا صنعتا في المكسيك للتصدير للسوق الأمريكية. وتتسبب تصريحات ترامب في انهيار حقيقي للعملة المكسيكية «البيسو». وكان الدولار الواحد يساوي 17 بيسو منذ سنة، والآن ما يفوق 22 بيسو، وبالتالي مع كل تصريح للرئيس الجديد حول المكسيك تنهار عملة هذا البلد الأمريكي اللاتيني.

وأصبح الشغل الشاغل للرأي العام المكسيكي هو كيفية الرد على الإهانات المتلاحقة التي تتعرض لها البلاد من طرف دونالد ترامب. وكتب المحلل ليون كاروز في عموده في جريدة «لفنغورديا» المكسيكية الاثنين الماضي أن «ترامب سيكون له تأثير قوي على الانتخابات الرئاسية المكسيكية التي ستجري السنة المقبلة، والجميع يتساءل من سيواجه ترامب؟». لم يعد الأمر يتعلق باختيار رئيس عادي استنادا إلى برنامج داخلي بل من سيواجه ترامب لرد الكرامة والاعتبار للمكسيكيين.

وفي مقال تحذيري في الجريدة الاقتصادية «فينانسييرو» الخميس، كتب خورخي سواريث بليث وهو محلل ليبرالي أن «ترامب مع كل تغريدة في تويتر حول المكسيك يضعف الاقتصاد المكسيكي، وحان الوقت للرد عليه في تويتر وبإجراءات عملية مثل التهديد بفرض رسوم 35٪ على واردتنا من الذرة من ولايات أنديانا وأوهايو وأيوا، فهذا كفيل بالتسبب لهم بأزمة في هذه الولايات». ويتابع «قرارات ترامب ومنها تقوية الدولار ستكون كارثية على الاقتصاد المكسيكي، ويجب على ترامب أن يدرك أنه إذا كان يعتبر أزمة لاجئي سوريا مشكلة، فانهيار الاقتصاد المكسيكي وما سيترتب عنه من موجة النازحين إلى الولايات المتحدة لن يوقفه الجدار الذي ينوي بناءه في الحدود». ويقول «ننصح ترامب بأن لا يكون جاره الجنوبي هو الرئيس أندريس مانويل لوبيث أوبرادور».

وعمليا، بدأ المكسيكيون يفكرون في لوبيث أوبرادور اليساري الراديكالي رئيسا مقبلا للمكسيك في الانتخابات الرئاسية السنة المقبلة. ومنذ الصيف الماضي، والتحاليل تذهب في هذا المنحنى. والقاسم المشترك بين ترامب وأوبرادور هو أنهما يسببان انقساما في مجتمعيهما. وعلى شاكلة ترامب، نصف المجتمع المكسيكي يرفض أوبرادور بسبب أطروحاته الجريئة ومنها شعاره بمحاربة المافيا السياسية في البلاد ومواجهة الإشتبلشمنت السياسي والمالي والإعلامي. لكن العامل الجديد الذي يصب في صالح هذا السياسي القادم من اليسار الراديكالي هو أن جزءا هاما من الرأي العام المكسيكي يعتبره الشخصية المناسبة لرد الاعتبار للبلاد أمام هجمات دونالد ترامب. وينطلق أوبرادور من منطلقات قومية راديكالية في صياغة سياسته.

ويعتبر أوبرادور من الوجوه السياسية البارزة في المكسيك وأمريكا اللاتينية، وكان قد ترشح للانتخابات الرئاسية سنة 2006 وخسر بفارق ضئيل للغاية. وكان الاعتقاد وقتها أن الانتخابات تعرضت للتزوير بمشاركة الولايات المتحدة التي تخوفت وقتها من مخططاته بتسهيل التعاون مع روسيا والصين في وقت كانت معظم أمريكا اللاتينية في يد حكومات يسارية. وحمل أوبرادور وقتها شعار الحد من نفوذ الولايات المتحدة والتعامل معها الند للند وتحريك ملفات تاريخية ومنها فقدان المكسيك لأراض لصالح الولايات المتحدة. فجزء من تاريخ الولايات المتحدة هو مواجهة المكسيك، ويحس المكسيكيون أن الأمريكان سرقوا منهم جنوب الولايات المتحدة. وإذا كان أوبرادور قد شكل تهديدا لصالح واشنطن سنة 2006 فكيف سيكون الحال عليه في الوقت الراهن الذي يحس فيه المكسيكيون بالإهانة من طرف ترامب ويرغبون في رد الاعتبار لأنفسهم؟

وعلاوة على احتمال اختيار أوبرادور، فقد بدأت المكسيك ترد على الولايات المتحدة وعبر الدولة التي تقلقها وهي الصين. فدول أمريكا اللاتينية قلقة من الإجراءات الحمائية التي ترغب في تطبيقها، وترى في الصين الدولة التي قد تعوض واشنطن مستقبلا. وكشفت زيارة الرئيس الصيني كسي زبينغ مؤخرا إلى بعض دول أمريكا اللاتينية مثل البيرو والتشيلي والإكوادور عن هذا التوجه من خلال التعهد باستثمار 250 مليار دولار خلال السنوات المقبلة وإنشاء منطقة حرة للتبادل التجاري بين آسيا-الهادي.

التعاون العسكري

وقد تذهب المكسيك أبعد إذا رفع ترامب من الضغط عليها، فقد بدأت المكسيك ومنذ تشرين الثاني/نوفمبر الماضي في تعزيز التعاون العسكري مع كل من روسيا والصين بما في ذلك البحث في تكنولوجيا صناعة الأسلحة والتداريب والمناورات المشتركة. وإذا قرت المكسيك منح الصين تسهيلات عسكرية، وقتها ستكون قد وجهت للولايات المتحدة ضربة مقلقة لأن الصين ستكون على أبواب الولايات المتحدة في تكرار لسيناريو التواجد الأمريكي على أبواب الـصــين عبر كوريا الجنوبية. وهكذا، فكوكتيل جيوبولتيك مهيئ، إهانة ترامب للمكسيكيين ورد هؤلاء عبر احتمال اختيار رئيس يساري قومي راديكالي وتقديم تسهيلات عسكرية للصين.

مقالات ذات صلة

By 

Sign In

Reset Your Password