عندما يغدر سيرفانتيس بالمغاربة وتكون مجهودات اسبانيا لنشر لغتها مثل معركة دون كيشوت مع طواحين الهواء

ميغيل دي سيرفانتيس

ارتفع عدد مراكز سيرفانتيس “تعليم اللغة الإسبانية” في المغرب خلال العقدين الأخيرين، كما يوجد إقبال على تعلم اللغة الإسبانية، لكنها تبقى لغة دون مستقبل بحكم صعوبة الالتحاق بالدراسة في الجامعات الإسبانية، كما أن الإسبانية لن تتحول الى اللغة الثالثة أمام منافسة الانجليزية.

وتتسم السياسة الإسبانية أحيانا بالرهان على العدد أكثر من النوعية، إذ اعتاد الإسبان القول بوجود أكثر من 50 ألف طالب يدرسون الإسبانية في ثانويات المغرب، والحديث عن مراكز سيرفانتيس المنتشرة في المغرب لتعليم اللغة الإسبانية. وفي الوقت ذاته، اعتاد الإسبان من خلال هذه الأرقام الادعاء بمنافستهم الفرنسية في المغرب مستقبلا.

لكن معطيات وتحاليل الإسبان تبقى غير واقعية نهائيا لأسباب متعددة منها ما هو مرتبط بتفكير المسؤولين الإسبان أنفسهم. ولمعرفة قيمة اللغة الإسبانية نطرح التساؤل التالي:

كم عدد الكتب التي تصدر باللغة الإسبانية في المغرب؟ كم عدد المنابر الإعلامية التي تصدر بلغة سيرفانتيس في المغرب؟ كم عدد الطلبة المغاربة الذين يلتحقون بالجامعات الإسبانية سنويا؟ كم من مناصب الشغل توفرها اللغة الإسبانية في المغرب؟

إن إنجاز اي دراسة حول اللغة الإسبانية، سيتبين للباحث أنها اللغة الثانية التي يتم تعلمها ولكنها لا تفيد مستقبلا في الحصول على عمل أو تحقيق قفزة نوعية اجتماعيا وثقافيا، وهذا يعود الى الأسباب التالية:

في المقام الأول، عكس الفرنسية التي يوجد لها هامش في عملية النشر والاعلام في المغرب سواء في الجرائد المستقلة أو التابعة للدولة ومنها القنوات التلفزيونية، تبقى الإسبانية بدون منفذ إعلامي نهائيا.

في المقام الثاني، تفيد اللغة الإسبانية فقط في التعليم لأن مؤسسات الدولة والقطاع الخاص لا توفر مناصب شغل مستمرة. في الوقت ذاته، أصبح معظم أساتذة اللغة الإسبانية شبه فائضين وبدون قسم في الكثير من الثانويات في المغرب، بينما تراجع عدد طلبة الأدب الإسباني بشكل ملفت في الجامعات المغربية.

في المقام الثالث، الرهان على تعليم الإسبانية لإتمام الدراسة في الجامعات الإسبانية بدأ يتبين أنه رهان فاشل لأن أسعار الدراسة في اسبانيا ترتفع من سنة الى أخرى، كما أن الدولة الإسبانية لا تتوفر على مخطط واضح لاستقبال الطلبة المغاربة. وبالتالي أصبح التحاق الطلبة المغاربة بالجامعات الإسبانية عملية شبه مستحيلة خاصة إذا كنت من شمال البلاد وكأن كل طالب للفزا يتعرض لشروط حرب تطوان سنة 1860. وفي المقابل، تراهن تراهن التمثيلية الدبلوماسية الإسبانية على تسهيل التأشيرة لأبناء المسؤولين في الرباط والدار البيضاء الذين يعجزون عن الدراسة في فرنسا والولايات المتحدة بسبب تدني النقط التي لا تسمح لهم بذلك. في هذا الصدد، إذا كانت فرنسا تستقبل سنويا الآلاف، فنسبة المغاربة الذين تستقبلهم اسبانيا قليل جدا. ولا يشرف اسبانيا، البلد الجار للمغرب أن دولة مثل أوكرانيا تستقطب الطلبة المغاربة أكثر منها. كم من طالبة أو طالبة اعتقد في إتمام دراسته الجامعية في اسبانيا ووجد أن مكتب التأشيرة يرأسه مسؤول بعقلية “سارخينتو رومانو” وليس دبلوماسيا لديه رؤية بعيدة للعلاقات الثنائية؟

في المقام الرابع، مما يؤكد ضعف اللغة الإسبانية في المغرب رغم مراكز سيرفانتيس ونسبة التلاميذ في الثانويات الذين يدرسون هذه اللغة وإن كان عددهم يتراجع من سنة الى أخرى هو عدم وجود إصدارات باللغة الإسبانية، وعدم استهلاك القارئ المغربي للمنتوج الثقافي الإسباني إذ تباع في المغرب فقط الكتب الإسبانية المنصوص عليها في المقررات الدراسية. كما أن نسبة المغاربة الذين يقرأون الجرائد الإسبانية في الإنترنت هو محدود للغاية.

إن تعلم اللغات الأجنبية يكون عاملا للرقي الثقافي والاجتماعي لكن في هذه الحالة “سيرفانتيس يغدر بالمغاربة لأن الإسبانية هي لغة بدون أفق”، واعتادت اسبانيا القول بأن لغتها لها مستقبل في المغرب، فهي بذلك تعيد دور “دون كيشوت” في مواجهة الطواحين الهوائية.

نعم، تعتبر اسبانيا شريكا تجاريا هاما للمغرب، ولكن هذا لا يعني أنها شريك اقتصادي، فالعلاقات سجلت تطورا في واردات المغرب لكنه لم يقابله ارتفاع استثمارات اسبانيا في المغرب بل انسحبت شركات وأبناك ومنها تليفونيكا “موبستار” الحالية. إن غياب أرضية اقتصادية حقيقية واكتفاءها بما هو تجاري من الأسباب الرئيسية لوهم تقدم اللغة الإسبانية في المغرب.

مقالات ذات صلة

By 

Sign In

Reset Your Password