حلول الذكرى المائوية الأولى للحرب العالمية الأولى شارك فيها 45 ألف مغربي وانتهت بتغيير وجه العالم/د.حسين مجدوبي

لوحة من إنجاز الفنان فيرناند بيسنيي حول مشاركة المغاربة في معارك لمارن شمال باريس وهي لوحة تعود لسنة 1914

في مثل هذا اليوم 28 يونيو ولكن منذ مائة سنة، 1914، أقدم مواطن صربي وهو غافريلو برنسيب على اغتيال الدوق فرانسيس فيرديناند ولي عهد الإمبراطورية النمساوية-المجرية وزوجته الدوقة صوفيا في مدينة ساراييفو. جريمة فجرت أول حرب عالمية في تاريخ البشرية، غيرت خريطة أوروبا والعالم وامتدت تأثيراتها الى المغرب الذي كان قد سقط لتوه تحت الاستعمار الفرنسي والإسباني.

Guerra
زاوية شارع سراييفو حيث قام غافريلو برنسيب (يسار الصورة) باغتيال الدوق فرانسيس فيرديناند ولي عهد الإمبراطورية النمساوية-المجرية (يمين)، ويحتضن المبنى متحفا للحرب العالمية الأولى والحدث أساسا

الجريمة السياسية التي نفذها الوطني الصربي المتطرف غافريلو برينسيب كانت الفتيل الذي فجّر أوروبا التي كانت بمثابة برميل بارود معدة سلفا للانفجار بسبب تضارب المصالح بين دولها. فقد ساهم التقدم التكنولوجي ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر في اكتساب الدول الأوروبية قوة كبرى وبدأ التنافس بين هذه الدول على المسرح الدولي بهدف تزعم أوروبا والعالم وانحصر الصراع بين الثلاثي، المانيا-بريطانيا-فرنسا علاوة على الإمبراطورية النمساوية-المجربة.

وبعد مرور شهر على جريمة الاغتيال السياسية، بدأت قوات الإمبراطورية النمساوية-المجربة في غزو صربيا للانتقام من اغتيال ولي العهد. وفي ظرف أسابيع قليلة، انتقلت الحرب مثل عدوى الى مجموع أوروبا بعدما أقدمت المانيا على غزو بلجيكا وانخرطت بريطانيا وفرنسا في وقف الزحف الألماني، بينما أعلنت روسيا الحرب ضد الإمبراطورية النمساوية-المجرية. ولاحقا انخرطت دول أخرى في الحرب وهي إيطاليا وبلغاريا والإمبراطورية العثمانية وأخيرا الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1917.

وكان انضمام الولايات المتحدة للحرب واندلاع الثورة البولشيفية في روسيا وتقدم القوات الإيطالية في الجبهة الشرقية حاسما في نهاية الحرب خلال نوفمبر 1918، بعد أربع سنوات من المواجهات خلفت تسعة ملايين من القتلى، نسبة مرتفعة لم تشهدها البشرية سوى في الأمراض المعدية التي كانت تجتاز العالم بين الفينة والأخرى مثل الطاعون.

خريطة جيوسياسية جديدة

والتطورات التي شهدها القرن العشرين وما يجري حاليا هو نتاج هذه الحرب العالمية الأولى التي انفردت بمميزات لم تسجلها حروب كبرى سابقة في تاريخ البشرية.

في هذا الصدد، فقد شهد تاريخ البشرية حروبا كبرى عادة ما كانت تجري بين ثقافات وديانات مختلفة مثل الحرب البونيقية بحلقاتها الثلاث بين الفنيقيين والرومان، وسلسلة الحروب عبر قرون بين الأمبراطوريات الإسلامية والمسيحية وأشهرها الحروب الصليبية. لكنه لأول مرة تندلع حرب شاملة في كيان كان يبدو موحدا ثقافيا وهو الغرب لتنتقل الى باقي العالم.

وشكلت هذه الحرب مناسبة لتجريب أسلحة فتاكة بفضل التقدم التكنولوجي، فقد شهدت استعمال المدافع العصرية، وسجلت استعمال الطيران الحربي لأول مرة وإن كان تأثيره محدودا أمام القوة النارية للمشاة، لكنه السلاح الذي سيصبح خلال العقود اللاحقة والى وقتنا هذا حاسما في الحروب. كما سجلت هذه الحرب بدء استعمال السلاح الكيماوي من غازات.

وجيوسياسيا، انتهت الحرب بتغيير عميق في الخريطة العالمية، فقد انهارت أربع إمبراطوريات وهي النمساوية-المجرية التي تفتت، ثم الروسية التي تحولت الى الاتحاد السوفياتي والعثمانية بما حمله ذلك من تغيير عميق على الدول العربية والإسلامية وأخيرا الإمبراطورية الألمانية.

ولم تكن هذه التغيرات سوى مقدمة لرسم تطورات القرن العشرين والواحد والعشرين من اندلاع لاحق للحرب العالمية الثانية واندلاع الحرب الباردة وظهور فاعلين جددد بفضل انتعاش ثقافة الاستقلال في المناطق التي كانت خاضعة للإستعمار، وإن كان مسلسل لااستقلال هو من نتائج الحرب العالمية الثانية أكثر من الأولى.

المغرب والحرب العالمية الأولى: تجنيد إجباري ومجاعة

يكتب المقيم العام الفرنسي ليوطي في مذكراته أنه غذاة إعلان فرنسا الحرب على المانيا والإمبراطورية النمساوية-المجرية، أقدم السلطان يوسف على مطالبة المغاربة عبر المساجد بالانخراط في الجيش الفرنسي وخوض الحرب الى جانبها في مواجهتها لألمانيا. وبهذا أضفى قرار السلطان يوسف وعلماء السلطان شرعية على عملية استقطاب وتجنيد فرنسا للمغاربة في حرب لم تكن تعنيهم.

وقرار السلطان يوسف يبرز مدى انخراطه التاريخي في خدمة المستعمر الفرنسي، وكان حلقة من حلقات دعم الاستعمار ضد الحركة الوطنية، إذ لا يعرف عن هذا السلطان وقوفه نهائيا الى جانب الفدائيين.

ويعالج الباحث المغربي محمد بكراوي رفقة جون كلود آلان في كتاب “المغاربة في الحرب العالمية الأولى” طريقة تجنيد المغاربة والمناطق التي ينتمون إليها، ويؤكد الكتاب انتماءهم الى المناطق السهلية وسط البلاد التي استطاعت فرنسا السيطرة عليها مثل فاس ومكناس ودكالة وعبدة. وينقل البكراوي عن ليوطي في الكتاب المذكور أن المغرب قدم 45 ألف جندي. وكان الجنرال ديت هو القائد الأعلى لكل الجنود المغاربة  في بداية الحرب العالمية الأولى وأساسا “الفيالق القناصة الأهالي المشاة ” ولاحقا تمت إضافة “فيالق القناصة الأهالي الخيالة”، تحت إمرة القيادة العليا للجيش الفرنسي.

جنوبد مغاربة في الحرب العالمية الثانية خلال لحظة استراحة، الصورة من سنة 1915
جنود مغاربة في الحرب العالمية الأولى  خلال لحظة استراحة، الصورة من سنة 1915

ويعتبر المؤرخ الفرنسي جلبير مينير مساهمة المغاربة هامة في مقاومة الزحف الألماني شمال باريس خلال سبتمبر 1914 في المعارك التي تسمى “معارك لمارن”، وخاصة معركة أورسك. وكان الجيش الفرنسي يدفع بجنود المستعمرات في الواجهة ومنهم المغاربة. ويكتب الضابط ألفونس جوان (لاحقا سيصبح ماريشالا ومن أبرز قادة فرنسا) الذي عمل في المغرب والتحق على رأس المجندين المغاربة بفرنسا سنة 1914 للمشاركة في الحرب أن أكثر من ثلاثة آلاف مغربي لقوا حتفهم فقط في معركة أورسك. والرقم الذي يقدمه الكراوي اعتمادا على وثائق فرنسية هو مقتل 12 ألف مغربي في هذه الحرب، أي بنسبة 26% من مجموع الجنود المغاربة. وعمدت فرنسا لاحقا الى نقل معظم الجنود المغاربة الى مستمعمرات أخرى لمحاربة حركات المقاومة.

ولم يكن المغرب مسرحا للحرب العالمية الأولى، ولكنها حملت انعكاسات سلبية على سكانه. فقد جعلت فرنسا من دول المغرب العربي-الأمازيغي الثلاث، المغرب، الجزائر وتونس ليس فقط خزانا لاستقطاب المجندين بل فرضت فرنسا على المزارعين المغاربة بيع منتوجاتهم لها بأثمان زهيدة وأحيانا مصادرتها باسم “مصلحة الدولة الفرنسية”. وهذا يفسر ارتفاع المجاعة في المغرب خلال العقد الثاني من القرن العشرين والهجرات الكبرى من البادية الى المدن وعلى رأسها الدار البيضاء.

مقالات ذات صلة

By 

Sign In

Reset Your Password