كتاب “انتقام الجغرافية” لكابلان يغوص في صنع الجغرافية للخريطة الجيوسياسة العالم من الصين وإيران الى الولايات المتحدة

صورة تركيبية للكتاب

انتقام الجغرافية” اسم كتاب الأمريكي روبير كابلان أحد الباحثين الجادين في كيفية تشكل الخرائط السياسية عالميا. وهو يدخل في إطار الدراسات الاستراتيجية العميقة التي تحاول الغوص في “الجغرافية السياسية لعالمنا المعاصر” لمعرفة حركة الشعوب والثقافات في ارتباطها بالجغرافية سواء التضاريس مثل الجبال والأودية والبحار أو المناخ وكيف ينتهي المطاف بحدود سياسية تؤدي الى ظهور كيانات، كما تسمح لأمم معينة الاستمرار في دور بارز في الساحة السياسية انطلاقا من موقعها الجغرافي. والكتاب هام للغاية لأنه من العينة التي تقدم للباحث والقارئ المهتم الاحتمالات الذي ستكون عليه الخريطة العالمية مستقبلا وتجير كلها تحت شعار “من يتجاهل الجغرافية تنتهي بالانتصار عليه”.

وروبر كابلان الذي يوقع مقالاته في كبار الجرائد مثل نيويورك تايمز والواشنطن بوست وأرقى المجلات الأمريكية مثل ذي أتلنتيك ونيو رببليك من القلائل الذين يخلقون بأطروحاتهم جدلا سياسيا وفكريا  في الأوساط السياسية والأكاديمية والإعلامية. ومن أبرز مرلفاته التي خلقت جدلا سياسيا كتابه “الفوضى القادمة” الصادر سنة 2000 والذي يعالج نهاية الأحلام بعد الحرب الباردة. ولاحقا ألف كتاب “العودة الى القدم”، هو استعراض للسياسة الخارجية منذ قرون حتى الآن انطلاقا من زاوية واقعية الى مستوى التشاؤم بالمستقبل.  Kaplan

والكتاب الجديد “انتقام الجغرافية” الصادر سنة 2012  في الولايات المتحدة يدخل في هذا الإطار من الدراسات الإستراتيجية العميقة. ويتكون من ثلاثة أجزاء ومقسم الى 15 فصلا، وينطلق من قراءة عميقة للتاريخ وارتباطه بالجغرافية وينتهي مثل أغلبية الكتب الصادرة في  الولايات المتحدة عن القلق الذي يشوب الباحثين والسياسيين عن مصير هذا البلد (الولايات المتحدة) بحكم أنه القوة العظمى في العالم حاليا، ومعظم التغيرات ستمس وزن الولايات المتحدة، لأن الحديث عن عالم متعدد الأقطاب يتم ترجمته جيوسياسيا بفقدان واشنطن التحكم الانفرادي في صنع القرار الدولي.

وينبه روبر كابلان القارئ الى معطى هام جدا وهو أن فقدان الكثير من الباحثين بل حتى الناس العاديين أهمية الزمان والمكان بسبب التطور الهائل في المعلوميات ووسائل السفر السريعة، وفي المقابل، يعرب عن اعتقاده أنه لو سافر الإنسان بطريقة بطيئة ومر عبر أراض مختلفة لفهم تأثير التنوع الجغرافي على الأوضاع السياسية. ومن ضمن الأمثلة التي يستشهد بها زيارته الى العراق في نهاية الثمانينات وكيف وقف على تأثير الجبال في نسج شخصية سكان الكردستان مختلفة عن عراقيي السهول، كما يقدم أمثلة من مناطق أخرى من العالم من آسيا وأوروبا.

والمثير أنه من ضمن الفصول 18 لا يخصص أي فصل مباشر يحمل اسم العالم العربي، بل تحضر هذه المنطقة في إطار التكهن بما يسميه “المحور الإيراني” ثم “الإمبراطورية العثمانية السابقة”. وهذا التقسيم ليس بالجديد بل يلتقي مع العديد من الدراسات الأخرى التي تمنح للعالم العربي مركزا ثانويا مستقبلا وتدمجه ضمن المناطق التي تتأثر بالتطورات العالمية وخاصة القوى القريبة منها بدل أن يكون فاعلا ومؤثرا بشكل مباشر في التطورات المستقبلية.

وعمليا، لا تنقص الأدلة لتأكيد هذا الطرح، فإسرائيل أثرت على العالم العربي، كما أثر التدخل الأمريكي ضد العراق على العالم العربي، كما يخضع الأخير لتأثيرات التمدد الشيعي الإيراني، بينما لا يقدر (العالم العربي) على أخذ المبادرة للتأثير في المستقبل.

ورغم تعدد الفصول، فالكتاب من الناحية الفكرية والتحليلية يخضع لتقسيمين فكريين،  الأول وهو استعراض روبر كابلان لتصورات مختلف الباحثين حول الجغرافية وعلاقتها بالسياسة انطلاقا من اليوناني هيرودوث ومرورا بآراء ابن خلدون وانتهاء بتصورات المفكرين في القرنين الأخيرين وخاصة القرن العشرين مثل ويليام ماكنلي من جامعة شيكاغو أو المؤرخ الشهير أرنولد تونبي وكذلك هارولد ماكندير الذي كتب عن “المحور الجغرافي للتاريخ” ليجعل من منطقة أوراسيا المنطقة التي تؤثر على التحولات العالمية عبر التاريخ وخاصة في القوى العظمى أو الإمبراطوريات.

وفي القسم الثاني من الكتاب، يعالج روبر كابلان المناطق الأكثر أهمية من الناحية جيوسياسية وهي أوروبا وروسيا والولايات المتحدة والصين والهند وإيران والشرق الأوسط. وعلاقة بالشرق الأوسط ورغم حضوره المستمر فالمنطقة العربية فيه لا تحتل الريادة في صنع الخريطة الجيوسياسية المستقبلية.

وينطلق من دراسة تاريخ كل منطقة، ويعتقد في استمرار روسيا على منوال روسيا القيصرية قديما بمعنى بسط نفوذها حيث تسمح لها الجغرافية بذلك وحيث ينتهي التعاطف أو تأثيرها الثقافي ومنها “امتداد الطابع الروسي الى أوكرانيا ومنها جيرة القرم”. وصدر الكتاب قد ضم روسيا القرم، ويؤكد قبل هذا الحادث صعوبة تصور روسيا مستقبلية بدون شبه الجزيرة القرمية.

ويقف الكتاب كثيرا عند الصين ليبرز المفارقة الهائلة في حالة هذا البلد بشأن العلاقة بالتاريخ والجغرافية والسياسة. في هذا الصدد، يؤكد أن الصين التي بقيت منعزلة نسبيا عن العالم وتتعامل معه بحذر تام، وتجد الآن نفسها مجبرة على الانفتاح، وهي الدولة التي تتحول الى قوة عظمى ولكن دون أن تساعدها الجغرافية  الطبيعية من حيث وفرة الأراضي الصالحة للزراعة أو الموارد الطبيعية مثل الطاقة، وبالتالي تقوم برسم خطوط تجارية تمتد من الصين الى وسط القارة الإفريقية ببرغماتية مطلقة دون تبشير بقيم أو مبادئ عكس الولايات المتحدة. ويؤكد روبر كابلان أن هذا ما يجعل الصين لوحدها منافسة للغرب برمته.

ويقف مطولا عند الشرق الأوسط بسبب ما يصفه التقاء آسيا وأوروبا وإفريقيا عنده، وتقاطع طرق تجارية تاريخية وتنافس الديانات والإديولوجيات بشكل يصفه بمثل قيام سكين مهترئ بالقطع ليعطي حدود متداخلة بشكل متفجر” علاوة على توفر المنطقة على 70% من احتياط العالم من طاقة النفط والغاز. ويحمل الفصل الذي يعالج الشرق الأوسط عنوان “المحور الإيراني” ، حيث منح التاريخ والجغرافية إيران ميزة خاصة بوصفها حلقة ربط بين الجهة المطلة على البحر المتوسط بامتداداتها نحو أوروبا وإفريقيا والجهة المطلة على عالم آخر مكون من الهند والصين ونسبيا روسيا. ويقول أن الجغرافية ساهمت في رفع مكانة إيران التاريخية، ويستمر أنه في حالة حدوث تغيير سلمي نحو مؤسسات ليبرالية منفتحة بعيدا عن مفاهيم الثورة وقتها ستستعيد إيران دورها التاريخي الحقيقي كحلقة وصل حضاري. وتزداد منطقة الشرق الأوسط أهمية لأن المناطق المتاخمة لها ومنها البحر الأبيض المتوسط ستستعيد دورها التاريخي وكذلك جنوب آسيا لتصبح حلقة أكثر وأكثر.

ويتوقف الكتاب عند دولة تكتسب قوتها من موقعها الديني في الإسلام وهي العربية السعودية التي تعتبر قلب الجغرافية الدينية، ليشير الى أن الخطر الحقيقي على هذا البلد هو اليمن. ويأتي هذا استنتاج الكاتب ثلاث سنوات قبل التدخل السعودي العسكري في عاصفة الحزم في اليمن حاليا لكي لا تزداد خطورته إذا سقط في يد إيران عبر الحوثيين.

ويخصص الفصل الأخير لمستقبل الولايات المتحدة، ويركز على نقطة هامة للغاية وهو دور المكسيك مستقبلا في التاثير في قرارات واشنطن. ويتساءل بنوع من التعجب عن قرار واشنطن التدخل في صراعات بعيدة مثل أفغانستان والعراق في وقت بدأت تتحول فيه المكسيك، الدولة الكبيرة جغرافيا وبشريا، الى دولة شبه فاشلة بسبب الفساد وسيطرة عصابات المخدرات على مفاصل مؤسسات البلاد. ويستعيد أطروحة هنغتنتون التي تحذر من قوة الهجرة المسيكية الى الولايات المتحدة، خاصة وأن المكسيكيين يعتبرون الجنوب الأمريكي أراض اغتصبتها واشنطن منهم خلال القرن التاسع عشر. ويؤكد الكاتب أن معطيات الجغرافية والمعطيات السياسية تفرض الآن اتحادا بين الولايات المتحدة والمكسيك لامتصاص المخاطر مستقبلا. ويتكهن الكاتب تحول بوصلة الولايات المتحدة فبدل أن تستمر من الشرق الأمريكي نحو الغرب الأمريكي ستصبح من الشمال الكندي نحو الجنوب المكسيكي مع دور محوري لواشنطن.

والكاتب غني بالمعلومات والتحاليل مما يجعل رصدها في مقال لا يتجاوز الألف كلمة عملية صعبة تبخس الكتاب قيمته العلمية. وربما أهميته أنه من الكتب التي ترجمت الى العربية في وقت وجيز عن “عالم المعرفة” وقام بالترجمة إيهاب عبد الرحيم علي، حيث صدر خلال يناير الماضي، بينما نزلت النسخات الفرنسية والإسبانية والإيطالية منذ سنتين.

ومثل الكثير من الدراسات الأمريكية، فالنقد الذي يمكن توجيهه الى روبر كابلان هو انطلاقه من زاوية أمريكية، يسميها بعض النقاد بنوع من القدحية  “رؤية كوبوي” للعالم، وكذلك عدم تنوع المصادر والمراجع الأكاديمية حول العالم. ورغم كل هذا، يبقى روبر كابلان واقعيا في دراسته ولا يسقط في صياغة نظريات براقة تنطلق من عقدة التفوق الأمريكي مثل نظريات مثل “صراع الحضارات” لسامويل هنتنغتون أو “نهاية التاريخ” لفوكوياما.

By 

Sign In

Reset Your Password