لماذا تراجعت الدولة المغربية فجأة عن تحرير الدرهم؟

البنك المركزي المغربي

في قرار مفاجئ، قررت الدولة المغربية إرجاء بدء تحرير الدرهم المغربي لأسباب سياسية واقتصادية، هذا الإرجاء يتناقض والحملة الاعلامية التي قادتها طيلة شهور من خلال تقديم تحرير الدرهم بمثابة أحد الحلول الهامة لتطوير الاقتصاد المغربي.

وكان المغرب قد أعلن السنة الماضية عن تحرير الدرهم ابتداء من السنة الجارية، ووقتها جرى طرح تساؤلات كثيرة وهي: هل عملية التحرير نيتجة تطور الاقتصاد المغربي أم بسبب توصية من صندوق النقد الدولي.

وكان والي بنك المغرب قد أكد نهاية ديسمبر الماضي في ندوة صحفية أن تحرير الدرهم الذي يعني عدم تدخل البنك المركزي في تحديد السعر بل تماشيا مع الطلب والعرض على العملات، يهدف الى جلب الاستثمارات الأجنبية والسياحة. ودافع عن القرار بأنه ناتج عن رغبة المغرب في مزيد من الانخراط في العولمة الاقتصادية والمالية.

واختار المغرب توقيت بداية الصيف، نهاية يونيو الجاري لبدء عملية تحرير الدرهم لأسباب اقتصادية على رأسها توفر العملات الصعبة وعلى رأسها العملة الأوروبية الموحدة اليورو، إذ أن الدرهم مرتبط 60% باليورو و40% بالدولار.

ومن ضمن الأسباب، عودة أفراد الجالية المغربية من الخارج، حيث يضخ قرابة مليون ونصف مليون مغربي مهاجر مبالغ هامة من المال في خزينة الدولة خاصة باليورو. وفي الوقت ذاته، ترتفع السياحة مما يعني ضمان دخول العملة الأجنبية وخاصة اليورو بحكم أن أغلب السياح يستعملون هذه العملة. وهناك عامل آخر لا يجري الحديث ويتعلق الأمر بالعائدات المالية لتجارة الحشيش المغربي والتي تقدر بملايير اليورو. وكان تقرير وزارة الخارجية الأمريكية قد تحدث عن 23 مليار دولار، بينما معطيات الواقع لا تجعله أكثر من تسعة الى عشرة ملايير دولار سنويا.

وهذه العوامل الثلاثة متوفرة وفاعلة في الاقتصاد المغربي منذ مدة، وهي ثابتة أكثر بكثير من الاستثمارات الأجنبية، هذه الأخيرة التي توفر نسبة لا بأس بها من العملة الصعبة، إلا أن هذه العوامل مجتمعة لم تشكل صمام الآمان أمام احتمال انهيار الدرهم بشكل سريع قد يصل نهاية الصيف الى ما بين 15% الى 20% من قيمته الحالية.

وقبل بدء عملية تحرير الدرهم، وقفت الدولة المغربية على التراجع في صرف الدرهم أمام اليورو والدولار، وهذا يعود الى قيام الأبناك بحجب العملات الصعبة لتستفيد من انهيار الدرهم، وهو عمل خطير للغاية، يستوجب فتح تحقيق قضائي.

وهذه المؤشرات السيئة هي التي دعت بنك المغرب الذي كان يتغنى بتحرير الدرهم يتراجع عنه مذعورا وبدون تقديم توضيحات شافية حتى الآن بل ترك الباب أمام مختلف التأويلات.

وأدرك البنك المركزي أن كل المؤشرات، في حالة تحرير الدرهم، تصب في انهيار الدرهم خلال هذا الصيف رغم عودة المهاجرين وقدوم السياح. وعليه، كيف سيكون وضع الدرهم ابتداء من سبتمبر المقبل عندما سيقل عدد السياح  وسينتهي موسم الجالية اللذين يشكلان المصدر الرئيسي للعملة الصعبة؟

إن البنك المركزي المغربي أدرك متأخرا أن تحرير الدرهم، ولو عبر التحرير المتحكم فيه، سيقود الى ما يلي:

في المقام الأول، ارتفاع السلع الاستهلاكية المستوردة ومنها الطاقة، الأمر الذي سيكون كارثيا على قرابة 90% من المواطنين المغاربة. وهذا سيزيد من التوترات الاجتماعية في وقت تفيد كل المؤشرات بموسم مقبل ساخن سياسيا واجتماعيا بعدما بدأت تنتشر في صفوف المغاربة ثقافة احتجاج قائمة على الحق في العيش الكريم.

في المقام الثاني، تحرير العملة الصعبة سيزيد من تهريب الأموال الى الخارج بسبب سياسة التحرير وضعف مراقبة الدولة لرؤوس الأموال.

في المقام الثالث: غياب روح المواطنة لدة الأبناك المغربية التي ستهدف الى التلاعب بالصرف كما تشاء في غياب مراقبة حقيقية للدولة.

ومن المنتظر أن يستمر البنك المركزي في تعويم الدرهم ولكن بشكل محتشم للغاية بالتحكم الكبير في صرف السعر، أي أن لا يتجاوز تراجع الدرهم 10%.

في غضون ذلك، يبدو أن البنك المركزي اعتمد دراسات أجنبية خاطئة للاقتصاد المغربي في رهانه على تحرير الدرهم، وهي نفس الدراسات التي تجعله في كل موسم يتكهن بنسبة نمو اقتصادي عالية وينتهي في آخر المطاف بنسبة أقل بكثير.

ويمكن للمهتم والقارئ أن يطرح تساؤلين: لماذا يخطئ البنك المركزي المغربي دائما في تحديد نسبة النمو الاقتصادي بهامش لا يوجد في أي دولة في العالم تقريبا؟ والسؤال الثاني: هل يمكن للنبك المركزي أن يقدم نموذج لدولة ذات اقتصاد هش نجحت بعد تحرير عملتها؟

مقال ذو صلة منشور يوم 30 ديسمبر 2016

تحرير الدرهم: هل هو نتيجة تطور الاقتصاد المغربي أم توصية/شرط صندوق النقد الدولي لتسهيل القروض مستقبلا

By 

Sign In

Reset Your Password