انتخابات الأحد: مؤشرات استقلال كتالونيا في الأفق والمغرب بين منزلتين

من تظاهرات المطالبة بالاستقلال في كتالونيا

يعيش إقليم كتالونيا يوم الأحد 27 سبتمبر الجاري انتخابات تشريعية تعتبر في العمق استفتاء لتقرير المصير بشأن البقاء ضمن اسبانيا أو الانفصال وتأسيس جمهورية جنوب فرنسا. وتشير كل المعطيات الى احتمال قوي لحدوث السيناريو الأخير. وهو ما سيمهد لتغييرات دالة في بعض مناطق أوروبا، مثل انتعاش القوميات، ودول الجوار بما فيها المغرب الذي يجد نفسه معنيا بطريقة أو أخرى بهذا الملف؟

وتابع الرأي العام الدولي خلال  سبتمبر من العام الماضي استفتاء اسكوتلندا حول البقاء ضمن حظيرة المملكة البريطانية أو الاستقلال، ونجح الوحدويون. لكن هذه المرة يختلف الأمر في حالة كتالونيا، والسبب الرئيسي، عكس لندن، فحكومة مدريد المركزية ترفض الترخيص لاستفتاء تقرير المصير، وبالتالي هذا دفع  حكومة الحكم الذاتي في كتالونيا الرهان على انتخابات تشريعية داعلة منها استفتاء تقرير المصير. فقد خول برلمان كتالونيا لحكومة الحكم الذاتي المقبلة إعلان الاستقلال.

في الوقت ذاته، كانت لندن تدرك مسبقا خسارة المنادين بالاستقلال وفق استطلاعات الرأي وقتها، لكن في حالة كتالونيا فالفوز هو حليف الراغبين في الانفصال بشهادة كل استطلاعات الرأي التي جرى إنجازها خلال الأسابيع الأخيرة ومنها نتائج استطلاع الرأي الذي أنجزه منذ أسبوعين معهد الدراسات الاجتماعية التابع للدولة الإسبانية. ويضاف الى هذا، المسيرة الضخمة للمنادين بالاستقلال في برشلونة يوم الجمعة 11 سبتمبر الجاري، حيث شارك فيها مليون و400 ألف، وهو رقم دال للغاية على قوة المطالبين بالاستقلال.

واستقلال كتالونيا وارد للغاية في ظل تطورات دولية تحمل مفاجأت كثيرة في الوقت الراهن. ووعيا منها بالانعكاسات السلبية لاستقلال كتالونيا، عمدت حكومة مدريد الى الرهان على استراتيجيات متعددة، وإن كانت غير مناسبة. فقد فتحت ملفات الفساد التي تورط فيها عرابو الاستقلال في كتالونيا ومست جوردي بوجول، السياسي المخضرم الذي أسس القومية الكتالانية الجديدة. ولوحت الحكومة المركزية بتعديل دستوري نحو الفيدرالية لإقناع الكتالان بالتخلي عن الاستقلال، وأخيرا هناك تلميحات بتدخل الجيش جاءت على لسان وزير الدفاع بيدرو مورينس للحفاظ على وحدة البلاد.

ولم تنجح مختلف الاستراتيجيات في الاحتواء، فالشعور القومي الكتالاني قوي للغاية. فقد أسس الكتالان خلال العقود الأخيرة وبفضل الحكم الذاتي لثقافة قومية متينة تنطلق من سيطرة الكاتالان على اقتصاد إقليمهم وبرامج مدرسية قدمت كتالونيا كدولة ترضخ تحت “الاستعمار الإسباني”. ويكفي أن تعليم اللغة الإسبانية في المدارس هو شبه محظور في مدارس كتالونيا التي اعتمدت فقط اللغة الكتالانية.

تأثير انفصال كتالونيا على اسبانيا

واستقلال كتالونيا عن اسبانيا سيحمل تأثيرات بارزة تمس هذا البلد الأوروبي وتمتد الى دول المحيط من فرنسا الى المغرب ومجموع القارة العجوز.

وعلى مستوى اسبانيا، تبلغ مساحة كتالونيا قرابة 33 ألف كلم مربع، بينما تتجاوز الساكنة  سبعة ملايين ونصف مليون نسمة ويصل الانتاج القومي الخام للبلاد حوالي 210 مليار يورو بدخل فردي يناهز 27 ألف يورو. وهذا يترجم بفقدان اسبانيا قرابة 8% من مساحتها و14% من السكان و19% من إنتاجها القومي وقرابة 26% من الصادرات. وهذه المعطيات ستجعل اسبانيا تخسر الكثير من وزنها استراتيجيا في الغرب والاتحاد الأوروبي والبحر الأبيض المتوسط.

 ولا تقتصر الانعكاسات السلبية الداخلية على هذه المعطيات بل الأخطر هو وجود قوميات أخرى في اسبانيا ترغب في الانفصال. وتعلن الأحزاب القومية في بلد الباسك عن رغبتها في الاستقلال عن اسبانيا ابتداء من السنة المقبلة. وتعتبر القومية الباسكية أكثر تطرفاـ  ومن مظاهرها وجود منظمة إيتا المسلحة التي تخلت عن السلاح سنة 2011 وانضمت الى التشكيلات السياسية التي تراهن على الحلول السلمية..

التأثير على المغرب

في حالة استقلال كتالونيا، سينعش هذا مشاعر القوميات في مجموع أوروبا، حيث توجد قوميات تطالب بدولة خاصة بها. وبالموازاة مع ما يجري في كتالونيا، يطالب جزء كبير من سكان اسكوتلندا باستفتاء جديد لتقرير المصير.

في هذا الصدد، تعلن فرنسا معارضته لاستقلال كتالونيا، لكن هذا الموقف هو ظاهري فقط بينما في العمق تحبذ فرنسا هذا الاستقلال. فكتالونيا ترغب ترغب في الانضمام الى الفرنكفونية التي تتزعمها فرنسا. وتجمع روابط ثقافية وتاريخية متينة بين فرنسا وكتالونيا. وكانت باريس قلقة نسبيا من القوة التي اكتسبتها اسبانيا خلال العقدين الأخيرين ، حيث أصبحت اسبانيا شريكا تجاريا منافسا لفرنسا في منطقة المغرب العربي ومناطق أخرى. وكان رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق خوسي ماريا أثنار قد بدأ التخطيط لمنافسة فرسنا بما في ذلك العمل من أجل مقعد دائم في مجلس الأمن يمثل اللاتينيين.

وترتفع أصوات في البرتغال وخاصة اليمين المحافظ مرحبة باستقلال اسبانيا، فالبرتغاليون يعربون عن خشيتهم من الهيمنة الإسبانية، وكل ما يضعف هذا البلد يستفيد منه البرتغال. Cata

ويوجد المغرب في موقف متناقض، فمن جهة، يدرك أن استقلال كتالونيا سيمنح لجبهة البوليساريو التي تنازعه الصحراء دعما قويا على المستوى الدولي وخاصة في اسبانيا نفسها، لهذا ينصح مواطنيه الحاملين للجنسية الإسبانية بتجنب دعم استقلال كتالونيا. ومن جهة أخرى، يحبذ على المستوى المتوسط والبعيد اسبانيا ضعيفة في حدوده الشمالية بحكم أنها كما تعتبره “الخطر القادم من الجنوب” يراها “الخطر القادم من الشمال”. وعلاقة بالنقطة الأخيرة، فاستقلال كتالونيا سيجعل استمرار اسبانيا في مدينتي سبتة ومليلية بدون معنى سياسي وبالتالي ستكون مطالبة بالخروج وتصفية الاستعمار.

وتخرص حكومات مدريد وخاصة إبان حكم اليمين على تفادي تطوير حكومات الحكم الذاتي في اسبانيا لعلاقات ممتازة مع المغرب. وعندما أرادت حكومة كتالونيا سنة 2002 فتح تمثيلية شبه دبلوماسية في الدار البيضاء، أعربت حكومة خوسي ماريا أثنار اليمينية عن رفض قاطع.

وبرغماتيا ومن خلال تجارب التاريخ، اعتادت الدول تحبيذ جيران ضعفاء لا يشكلون خطرا عليها بل وتعمل على ذلك، فكما يهم اسبانيا مغربا ضعيفا وتتابع تسلحه وتطوره يحدث العكس، ويتكرر السيناريو نفسه مع الجزائر، ويتكرر في حالة فرنسا واسبانيا وباقي دول العالم.

ويختلف موقف المهاجرين المغاربة، فرغم عدم وجود دراسة ميدانية، هناك ميل الى تأييد استقلال كتالونيا. وانخرط الكثير من المغاربة وخاصة نشطاء الجمعيات والحركة الأمازيغية في دعم هذا الاستقلال. وضمت اللائحة الرئيسية للمطالبة بالاستقلال اسبانيا من أصل مغربي لجذب أصوات المهاجرين المغاربة المتجنسين.

ويتبنى الكثير من المغاربة موقف تأييد استقلال كتالونيا بسبب اهتمام الأحزاب القومية الكتالانية بهم مقابل تهميش الأحزاب الوحدية للمغاربة. في الوقت نفسه، هناك انتقادات قوية لطريقة تعامل الإدارة الإسبانية معهم بشأن تطبيق قانون الأجانب.

الرهان للمرة الرابعة

 ولا تعتبر هذه المرة الأولى التي يراهن فيها سكان كتالونيا على الاستقلال، فتاريخ هذا الاقليم مع السلطة المركزية في مدريد هو تاريخ مواجهات حربية وسياسية. فإلاقليم انضم الى اسبانيا بمدة زمنية طويلة بعد تحول الأندلس الى جزء من الدولة الإسبانية الحديثة. وخلال 140 سنة الأخيرة، أعلن ثلاث مرات الاستقلال،وكان آخرها في الثلاثينات ، حيث كان ذلك من أحد أسباب الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد وقتها.

ومن المنتظر جدا فوز المنادين بالاستقلال عن اسبانيا في هذه الانتخابات، فكل استطلاعات الرأي التي أجريت تؤكد قوة أطروحة الاستقلال. وأعلن رئيس الحكومة الكتالانية أرثور ماس نيته إعلان الجمهورية مع متم 2016 أو بداية 2017، أي بعد وضع الهياكل الكاملة للدولة الجديدة.

وكان المفكر الفرنسي الشهير فولتير(القرن الثامن عشر)  قد قال حول كتالونيا ورغبتها في الاستقلال عن اسبانيا “يمكن لكتالونيا أن تستغني عن العالم، لكن جيرانها لا يمكنهم الاستغناء عنها”.

Catalana
ملصق دعائي للجمهورية الكتالانية

مقالات ذات صلة

By 

Sign In

Reset Your Password