ما الذي يحدث في تركيا؟ 5 أسئلة تشرح لك كلَّ شيء

صورة من الانقلاب العسكري

مساء أمس الجمعة 15 يوليو (تمُّوز)، في التاسعة والنصف، أعلنت قناة «تي إن في» التركية أنّ قوات للجيش تغلق جسري البوسفور.. بينما أذاعت وسائل إعلام أخرى هذا الخبر «مروحيَّاتٌ تُحلِّقُ فوقَ مؤسساتٍ عسكريةٍ تركيَّة». تسارعت الأحداث بقسوةٍ وسرعة، فالمروحيَّات أطلقت – بعد قليلٍ فقط – النار على مقرّ المخابرات العامَّة ومبنى رئاسة الأركان، ثمّ احتجزت القوات الانقلابية رئيس هيئة الأركان التركيّ، الجنرال «خلوصي أكار»، بينما ألقت طائرة حربية قنبلة في محيط القصر الرئاسي صباح اليوم.. في تطورٍ متسارعٍ للأحداث، ولكنّ الصباح كان مختلفًا، فقد أعلنت الحكومة عن فشل الانقلاب، وأنها تسيطر على الأوضاع بنسبة 90%. فما الذي حدث في تركيا أمس؟

1-بدايةً ما الذي حدث؟

من مكانٍ غير معروف، خاطب الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» الجماهير، عبر برنامج «Facetime » الذي يعتمد تقنية التشفير حتى النهاية «end-to-end-encryption» التي لا تتيح بالطبع للانقلابيين أن يتعرفوا على موقعه من خلال هذا الظهور. دعى أردوغان الشعب التركيّ للتمسُّك بالديموقراطية، والنزول للشوارع لإفشال هذا المخطط الانقلابي. كانت الأمور ضبابيَّة جدًا فيما يبدو، إذ إنّ الرئيس أردوغان لم يكن في أنقرة، وإنما كان في إجازته الصيفيَّة في منتجع بجزيرة مرمريس، ويبدو أنّ الأمور كانت مفاجأة له، ولقادةِ جيشه فقد تمّ احتجاز رئيس هيئة الأركان، الجنرال خلوصي أكار، وقصفت مروحيات تابعة لقوات الانقلاب مبنى المخابرات، وحوَّمت فوق مباني سياديَّة هامَّة، وسيطرت بالكامل على مبنى رئاسة الأركان.

الرئيس التركيّ طلب من الشعب التركي أن ينزل إلى الشوارع، ويحتلَّها؛ مقاومًا بذلك الدبابات والطائرات المنقلبة على الحكومة المنتخبة. وقد أتت محاولة أردوغان قلب الدفة إلى معسكره كلها؛ فقد نزل الأتراك إلى الشوارع، وأحاطوا الدبابات بأجسادهم، وقد حدثت بعض الاشتباكات على جسر البوسفور، ووقع بعض القتلى والمصابين. وسرعان ما أعلنت الحكومة التركيَّة أنّ هذه محاولة انقلابيَّة فاشلة قام بها بعض عناصر من القوات الجوية والقوات البريَّة والقوات المدرعة، وأنهُ لم يؤيدها أيٌ من قادة الجيش، التصريحات السابقة؛ تصريحات: رئيس الوزراء، ووزير الدفاع، ورئيس هيئة الأركان بالوكالة، والتي ربما لا تكون كاملة الصحَّة، سنتحدث عنها لاحقًا.

كانت القوات التي حاولت الانقلاب قد أصدرت بيانًا موحَّدًا، أعلنت فيه «أن القوات المسلحة التركية اليوم 15 يوليو (تموز) 2016 قد سيطرت على السلطة في البلاد من أجل حماية النظام الديمقراطي وحقوق الإنسان»، لكنّ الجيش لم يكن على قلب رجلٍ واحد بالفعل، فأكبر قائدين «وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان» لم يؤيِّداه، وإنما احتُجِز أحدهما، والآخر ندد بالمحاولة التي اعتبرها من عناصر متمردة داخل الجيش.

لاحقًا، أعلن رئيس هيئة الأركان بالإنابة، الجنرال «أوميت دوندار»، عن إلقاء القبض على 1563 جنديًا وضابطًا شاركوا في الانقلاب، لكنّ الحكومة التركية، بالرغم من إعلانها السيطرة على 90% من الأوضاع، إلا أنها أعلنت أيضًا أنّ الانقلابيين لا زالوا يحتجزون بعض القادة العسكريين كرهائن. وبالجملة كانت حصيلة الانقلاب مقتل أكثر من 90 شخصًا، وقتل أكثر من 16 من منظمي الانقلاب. بينما أعلن الهلال الأحمر التركيّ إصابة نحو 1000 شخص نتيجة الاشتباكات. بينما توجد أخبار أخرى متناثرة حول 161 قتيلًا، و 2839 معتقلًا من جنود المشاة إلى كبار الضباط بالجيش التركي. بينما تمّ عزل 34 من قيادات الجيش التركي، من ضمنهم خمسة جنرالات اتهموا بالضلوع في هذا الانقلاب السريع.

2- من كان وراء الانقلاب إذًا؟

الرئيس التركيّ نزل في مطار اسطنبول صباح السبت، وأشار بأصابع الاتهام أول ما أشار لما أسماه «الكيان الموازي»، ويقصد بالطبع حركة الداعية الإسلامية «فتح الله كولن» التي تضم أكثر من 900 مدرسة خاصة في تركيا، ولديها أنصار ذوي مناصب رفيعة في الشرطة والقضاء التركيين، من جانبها أصدرت الحركة بيانًا تندد فيه بمحاولة الانقلاب على الديموقراطية.

لكنّ اللافت للأمر، وبالرغم من أنّ رئيس الوزراء التركي، والرئيس أردوغان ووزير الدفاع أعلنوا أنّ الانقلاب قادته مجموعة صغيرة داخل الجيش، إلَّا أنّ الأمر ليس بالشكل الذي أداروا به معركتهم الإعلامية الناجحة بالطبع مع الانقلاب، فقائد الانقلاب – وفقًا لاتهاماتٍ الحكومة واتهامات أردوغان بنفسه له – هو محرم كوسا، المستشار القانونيّ لرئيس هيئة أركان الجيش التركي، بالتعاون مع حركة كولن الدعويَّة، ذات النفوذ الكبير.

كما ذكرنا، فإن المحاولة لم تكن «بسيطة يقودها بعض أفراد في الجيش»، كما صرح المسؤولون الحكوميُّون، فمن ضمن قادة عسكريين آخرين نسَّقوا مع كوسا للانقلاب، نذكر:

قائد اللواء 55 مشاة مؤلل، الجنرال بكر كوجاك.

العقيد محمد أوغوز أققوش.

الرائد أركان أغين.

الأميرال خليل إبراهيم يلدز، قائد لواء مشاة البحرية البرمائية في إزمير.

الجنرال يونس موتامان، قائد لواء الكوماندوز الـ 49 في ولاية بينغول.

المقدم دوغان أويصال.

الأميرال الشرطيّ «هاكان أوستام» قائد خفر السواحل، وقد صدر بحقِّه قرارًا وزاريًا من وزير الداخلية التركي بإعفائه من منصبه.

اللواء الجنرال أكرم جاغلر، قائد الجيش التركي في إزمير ورئيس أركان الجيش الثالث.

بينما تذكر روسيا اليوم وفقًا لمصادر تركيَّة، أنّ قائدي القوات الجوية والبرية هما من نفذا الانقلاب، بينما محرم كوسا هو من خطط للانقلاب.

بالطبع، فإن هذا الانقلاب أعطى لحكومة أردوغان الضوء الأخضر لملاحقة كولن وجماعته، فقد بدأت أولى هذه الملاحقات بطلب تركيا من الولايات المتحدة أن تقوم بتسليم كولن لها، بينما ردّ «جون كيري»، وزير الخارجيَّة الأمريكي أن على تركيا أن تقدم دلائل ضد «فتح الله كولن». وبدأت الحكومة التركية باعتقال أعضاء في مجلس شورى الدولة ممن يُشكّ في انتمائهم لـ «الكيان الموازي» ويُقصد به جمعية فتح الله كولن بالطبع. كما اعتقل الأمن التركي عناصر من أتباع كولن في رئاسة المحكمة الإداريَّة. بينما نفى كولن نفسه أيّ دورٍ لهُ في الانقلاب.

3-هل كان الانقلاب متوقعًا؟

في الثلاثين من مايو (أيار) الماضي نشرت «فورين أفيرز»، مقالًا بعنوان: انقلاب تركيا العسكري القادم،قامت بعرضه ساسة بوست.. يعرض المقال للظروف التركيَّة الحالية، التي جعلت من أردوغان يأخذ منحىً «سلطويًّا»، والتي جعلت البعض يعتبر أردوغان القائد الذي استطاع تقليم أظافر الجيش، إلا أن الحقيقة – وفقًا للمقال – ليست كذلك، فالسلام الدافئ بين أردوغان والجيش جاء عبر سلسلةٍ من التفاهمات التي قام بها أردوغان؛ لتنمية سلطته وقوته في الداخل ولتثبيت سياسته الخارجية الحالية.

لكنّ تقوية الجيش يمكن أن تكون في نفس الوقت خيارًا محفوفًا بالمخاطر بالنسبة لأردوغان، بل إنّ هناك من هم في دائرته ممن يخشونَ أنّ النمر الذي يحاولُ الرئيس ركوبه ما زال بعد سنوات من المعاملة القاسية تحت حكم حزب العدالة والتنمية أكثر وحشية وتوقًا للانتقام!

هكذا يُبرر المقال فرضيَّته، أو تنبُّؤه بوجود انقلاب عسكري قادم في الجيش التركي على الرئيس رجب طيب أردوغان. كذلك فإنّ المقال يشيرُ إلى الضربة القوية التي تعرض لها الجيش عام 2007، عقب ما سُمِّيَ بـ «الانقلاب الإلكتروني». بالجملة فإن الانقلاب كان متوقَّعًا لدى بعض المحللين.

4- ما هي أبرز المواقف المحلية والدولية من الانقلاب؟

ربما لم يكن عجيبًا أن يخرج الرئيس التركي السابق «عبد الله غول» ورئيس الوزراء السابق «أحمد داوود أوغلو»، أن يخرجا منددين بالانقلاب، ولكنّ العجيب بعض الشئ أن يخرج زعيم حزب الشعب الجمهوري – العدو اللدود لحزب العادلة والنتمية – المعارض كليجدار أوغلو ليندد بهذه المحاولة الانقلابية، قائلًا «لقد عانت تركيا كثيرًا من الانقلابات، وسندافع عن الديمقراطية». بينما أعلن قائد الجيش التركي الأول في اسطنبول أنّ الجيش لم يدخل في الانقلاب ضد الحكومة، كما رفض أيضًا قائد القوات البحرية الانقلاب.

أما على المستوى الدولي فلا نكاد نجد دولة واحدة أيَّدت الانقلاب في تركيا، فبعد تأخر وزارة الخارجية الأمريكية في إبداء موقفها، دعى الرئيس الامريكي باراك أوباما كل الأطراف في تركيا لدعم الحكومة التركية المنتخبة ديمقراطيًا. كما طالب «بان كي مون»، الأمين العام للأمم المتحدة، بعودة السلطة المدنية والنظام الدستوري سريعًا وسلميًّا، وأكد حلف شمال الأطلسي «الناتو» احترامه التام للمؤسسات الديمقراطية في تركيا. بينما عرضت روسيا إمكانية مناقشة منح الرئيس التركي طلب لجوء إن أراد، بينما اتخذت الصين واليابان والاتحاد الأوروبي وألمانيا وبريطانيا وإسرائيل وأوكرانيا وإيران نفس موقف الولايات المتحدة، تقريبًا. الدول التي تأخرت كثيرًا في إبداء موقفها هي الدول العربية جميعًا ما عدا قطر التي نددت بالانقلاب منذ البداية، ولم تعلن أية دولة أخرى موقفها، إلا بعد سيطرة الحكومة التركية على جزء كبير من الانقلاب.

5-هل هو الانقلاب الأول على أردوغان أو الأخير؟

لأردوغان تاريخٌ طويل مع الانقلابات، لا نقصد بالطبع الفترات التي عاين فيها الانقلاب على أستاذه «نجم الدين أربكان»، أو غيرها من الانقلابات الناجحة – والفاشلة – في تركيا الحديثة. ولكن نقصد بالطبع أردوغان نفسه حين كان في أعلى مناصب الدولة التركيَّة. ففي عام 2003 واجه أردوغان عمليَّة انقلابيَّة سميت حينها «خطة المطرقة»، والتي حوكم على أثرها وبالتعاون مع أتباع كولن– عام 2010 – 133 ضابطًا في الجيش التركي، وحكم على ثلاثة جنرالات كبار متقاعدين بالمؤبَّد، وتم تخفيف الحكم للسجن 20 عامًا.

لم تكن هذه هي المحاولة الأولى بالطبع، فهناك محاولة أخرى، سميت «قضية إرغينكون»، والتي تمَّ الكشف عنها عام 2007 إثر العثور على 27 قنبلة في منزل باسطنبول، اتهم المعدُّون لها بمحاولة قلب نظام الحكم، لكنّ هذه المحاولة ـ ربما ـ لم تكن قوية كقضيَّة المطرقة، أو حتى كـمحاولة الانقلاب عام 2013، التي دخل فيها حليف أردوغان السابق في قضية المطرقة، فتح الله كولن بثقله وثقل الجمعية التابعةِ له، والمنتشرة في جميع أجهزة الدولة.

بالطبع هناك انقلابٌ آخر، لم يتمّ، أو ربما لم يكن انقلابًا أساسًا، إنما كان تهديدًا مبطنًا بالانقلاب. ما عرف حينها بـ «بيان المذكرة الإلكترونية» أو «الانقلاب الإلكتروني»، حين نشرت هيئة الأركان التركية بيانًا مثيرًا للجدل اعتبر تهديدًا للحزب ألا يقف وراء المرشح الرئاسي للحزب «عبد الله غول»، نظرًا لميوله الإسلامية وارتداء زوجته الحجاب.

بالنظر إلى المحاولات سابقة الذكر، فقد واجه أردوغان انقلابين، ومحاولة انقلاب، بينما عايش التاريخ المتكدس بالانقلابات في تركيا الحديثة، الانقلابات التي أدخلت تركيا في دوَّامات وتداعيات اقتصادية واجتماعية عديدة. وجاء انقلاب أمس، الذي أفشلت الحكومة الجزء الأكبر منهُ ليكون المحاولة الرابعة. فهل سيكون هذا هو الانقلاب الأخير على أردوغان؟

وبالنظر بسرعة إلى وضع أردوغان الحالي بعد فوزه بسباق الرئاسة الأخير – واحتمالية فوزه بمدةٍ رئاسية أخرى بعد هذه المدة ما يعني حكمه لتركيا لعشرين عامًا متواصلة – ومع الوضع القائم في سوريا، وتغيُّر الموقف التركي المفاجئ خلال الأيام الماضية من «الحرب في سوريا». وما يبدو أنه تغير واضح في السياسة الخارجية التركية، بعد استقالة أحمد داوود أوغلو من رئاسة الوزراء. لا يبدو أردوغان بمأمن من المحاولات الانقلابيَّة، مع الوضع في الاعتبار تصريح الرئاسة التركية بأنّه «قد تقع محاولة تمرد أخرى في أيّ وقت.. وعلينا أن نكون متيقظين». لكنّ الشئ الأكيد الذي لا يمكن لأحدٍ أن يُغفله، هو أنّ أردوغان قد دخل معركةً مفتوحة مع من يفكر بالانقلاب من جنرالات الجيش التركي، ويبدو أنَّهُ ينجح!

مقالات ذات صلة

By 

Sign In

Reset Your Password