“الوصية السابعة”: حسين مجدوبي يضع المهاجرين في مأزق/إبراهيم الخطيب

صورة الغلاف بشقيه

ibrahim1 يقيم الإعلامي والصحفي المغربي حسين مجدوبي منذ سنوات طويلة في إسبانيا حيث يمارس مهنة المتاعب من خلال عمله في جريدة القدس العربي. إنني أتتبع ما ينشره حول العلاقات المغربية الإسبانية أو حول علاقة المغرب بالاتحاد الأوروبي باهتمام كبير نظرا لما تتميز به مقالاته وتقاريره من جرأة وقدرة على كشف خلفيات بعض القضايا الحساسة خاصة ما يتصل بالنظام السياسي المغربي أو قضية الصحراء كما تنظر إليها الهيآت الدولية أو الحكومات الأوروبية أو صحف الجارة الشمالية لبلادنا .

لم أكن أعرفه شخصيا ، ولم تمكني الظروف من الاتصال به إلا في الصيف المنصرم حيث أتاح لي لقاء عابر في تطوان فرصة التعرف عليه من جهة، ومن ﺟﻬﺔ ﺃﺧﺮﻯ اكتشاف جانب من عمله ككاتب للقصة القصيرة ، من خلال مجموعته القصصية” الوصية السابعة” الصادرة مؤخرا ضمن منشورات سليكي إخوان بطنجة .
تدور قصص المجموعة حول موضوع الهجرة وظروف عيش المهاجر الذي “لا تنتهي أحلامه ، فهي سلسلة طويلة ، محطتها الأولى الوصول إلى إسبانيا ، ويليها حلم الحصول على بطاقة الإقامة والعمل وضمان تجديدها سنويا لتفادي الطرد.

وتتألف المجموعة من سبع قصص . أما عنوانها فيحيل إلى الوصايا الست التي تلقاها مصطفى ، بطل القصة الأولى التي تحمل نفس عنوان المجموعة ، من صديقه المهاجر القديم عبد الحكيم وهي : 1 “لا تقف إلى جانب امرأة إسبانية في الحافلة” ، 2″لا تدخل إلى مصعد عمارة رفقة امرأة وحيدة” ، 3″ لا تمش وراء امرأة في الشارع إذا كان قليل المارة” ، 4″إحمل بطاقة الإقامة معك دائما حتى لا تتعرض للطرد” ، 5″ لا تقل لمشغلك أنك تصلي وتصوم حتى لا يظن بك الظنون” ، 6 ” تحدث مع أبناء جلدتك في الأماكن العمومية باللغة الإسبانية حتى يقال بأنك مندمج في المجتمع” . في نهاية القصة سيضيف مصطفى وصية سابعة وهي 7 “لا تقف وسط شبان موسرين في الحافلة ، وذلك بعد أن سرق منه في زحامها هاتفه الخلوي .

تجري أحداث هذه القصة وسط حافلة اكتظت بسبب هطول الأمطار في مستهل الخريف . الركاب نماذج بشرية ومزاجية مختلفة : هناك السنغالي الذي يبيع الأقراص المدمجة ، والغجري الإسباني الذي كان مغنيا وتلاشت شهرته ، وامرأة مسنة ترفض الجلوس في مقعد مخصص للمسنين حتى لا توصف بكونها عجوز ، فضلا عن شبان إسبان لاهين . طيلة الرحلة حاول مصطفى أن يبدو شخصا عاديا ذا تصرفات عادية ، لكن الركاب الآخرين لم يكونوا ينظرون إليه إلا بتوجس .
في قصة “البائع المتجول” نعاين تنقل سعيد بين العمارات حيث يطرق أبواب الشقق لعرض سلعته على ساكنيها . إنه يفكر في عائلته وفي ولديه اللذين تركهما في المغرب ، كما يفكر في قانون الأجانب وفيما سيناله من عنت بسببه . تفتح له سيدة عجوز ، لكن حفيدها سيصفه بكونه ” مورو”  وأن المورو هم قتلة الإسبان في الحرب الأهلية . وعندما يدق باب شقة أخرى يخرج له رجل فظ بيده هراوة ، لكن سعيد سيكتشف أن الرجل كان بصدد ضرب زوجته ضربا مبرحا . لكن رجلا آخر يفتح له فإذا هو إسباني عاش ردحا من حياته في العرائش وتطوان . يرحب به ويدعوه لتناول الشاي معه فيما كان يسترجع ذكرياته الماضية .

ينتظر حميد في قصة ” لعنة الوردة”  مجيئ صديقه مراد لمعرفة ما جد بصدد وضعيته ، فيخبره هذا الأخير بأنه لا يمكنه الحصول على بطاقة الإقامة ما لم يكن له عمل . كانت تلك هي المحاولة السابعة التي قام بها حميد ، لكنها لم تكن تختلف عن سابقاتها . بسبب ذلك يعيش في وضعية أشبه بالسرية . لقد حاول الحصول على الأوراق بانتهاج وسائل فاشلة : الزواج من امرأة شابة مع أن مريم خطيبته تنتظره في المغرب ، أو الاقتران بامرأة مسنة ، وأخيرا ب”ماريبيل”  التي اكتشف أنها فوضوية لا تؤمن بمؤسسات الدولة وتسخر من الزواج بواسطة وثائق . إلى جانب ذلك حاول حميد ادعاء إيمانه بالدين المسيحي ، كما ادعى أنه هارب من ليبيا وأن من حقه طلب اللجوء السياسي .
صاحب الكشك الذي يبتاع منه فريد جريدته في قصة ” وسابعتهم شقراء”، واسمه خيراردو ، ينصحه بحضور الاجتماع الذي ينوي سكان الحي تنظيمه ، لكن عليه قبل ذلك أن يلتحق بجمعية الحي ويدفع 10 أورو حتى يتمكن من الإدلاء بصوته في الاجتماع . حينئذ تذكر فريد أنه صوت في المغرب على الدستور وأن مقدم الحي سلمه حينئذ ورقة وحيدة مكتوب عليها “نعم”. ينعقد الاجتماع ويدور نقاش بين الحاضرين حول مشاكل النظافة وتراكم القمامة . يحاول أحد المرشحين لعضوية الجمعية رشوته قصد التصويت لصالحه . بعد ذلك يتم التصويت على أعضاءالجمعية الجدد في صندوق من ورق مقوى. يغادر فريد الاجتماع وهو مطمئن إلى أن الأمور جرت بصورة لا لبس فيها ، ويفكر في نفس الوقت أن التصويت في بلاده يتم في صناديق شفافة لكن النتيجة تكون ” مخدومة”  في العادة .
علىهذا النحو تجري بقية قصص المجموعة حيث تقارب محكياتها مشاكل ذات حساسية كبيرة بالنسبة للمهاجر ، كالعنصرية ، والإذلال النفسي ، وصعوبة العيش في مجتمع منظم إلا عبر الالتزام بقوانينه . لا تخلو شخصيات المجموعة من مشاعر تخامرها هي مزيج من الندم على الهجرة والتشبث في نفس الوقت بحبالها الواهنة . إنهم يتذكرون وطنهم بنوع من الحنين ، وخاصة عائلاتهم ، لكنهم لا يعدمون توجيه نقد حاد لأوضاعه الاجتماعية وتكالب السياسيين على مصالحهم الخاصة وعبثهم بمصائر المواطنين .
يتميز أسلوب حسين مجدوبي بوقوفه موقفا وسطا بين المقاربة الصحفية لأوضاع شخصياته في تنوعهم.، وبين سعي أدبي متوازن يرمي إلى اكتشاف تعقيدات سلوكاتهم و حمولاتهم النفسية الدقيقة. إنه ينطلق من تجارب عاش بعض تمظهراتها أثناء مقامه الطويل في إسبانيا ، أو سمعها من بعض من عاشرهم هناك ، لكنه لا يتردد في الإبانة عن تعاطفه مع تجارب المهاجرين الآخرين، سواءكانوا أفارقة أو غجرا قادمين من دول أوروبية أخرى.

By 

Sign In

Reset Your Password