محمد سعيد السعدي: النموذج التنموي قائم على نيوليبرالية واستفادت منه مجموعات مالية وتجارية قريبة بشكل مباشر أو غير مباشر من القصر

مغرب الشرخ الاقتصادي والتنموي

وأنا أتابع ردود الأفعال والمواقف تجاه الحراك الاجتماعي في الريف، أثارني موقف بعض المحللين المقربين من الإسلام السياسي الذين يعتبرون الحراك المذكور نوع من الابتزاز للدولة نظرا لمحدودية الموارد المتوفرة لها وعدم قدرة النموذج التنموي المغربي على تلبية كل الخصاص الاقتصادي والاجتماعي بمختلف مناطق المغرب. وقد سار على نفس النهج الحزب القوي في حكومة يسيطر على قطاعاتها الأساسية رجال الاعمال والتكنوقراط حيث اعتبر ما يحدث في الريف “تشويش على الجهود التنموية” للبلاد وراءه أهداف سياسية. إن هذه المقاربة تدعونا الى وضع السؤال المحوري التالي: ماذا لو كان هذا النموذج التنموي هو أصل الداء؟

لنلاحظ أولا أن النموذج التنموي المغربي يرتكز أساسا على لبرلة الاقتصاد والخصخصة وتراجع الدولة عن التدخل في الاقتصاد لفسح المجال للقطاع الخاص والمبادرة الحرة لتكون قاطرة للتنمية والانخراط في الاقتصاد الرأسمالي المعولم. ودون الرجوع كثيرا الى الوراء، يتبين للملاحظ الموضوعي أن هذا النموذج النيولبرالي استفاد كثيرا من الظرفية الاقتصادية العالمية التي ميزت العشرية الأولى للألفية الثالثة حيث ارتفع حجم الاستثمارات الأجنبية وتحويلات مغاربة العالم وانتعشت السياحة الخارجية مما مكن الدولة من الرفع من حجم الاستثمار في البنيات التحتية واطلاق المخططات القطاعية. فمن استفاد من هذا التحسن النسبي في المؤشرات الاقتصادية الكلية؟ بالأساس مجموعات مالية وتجارية قريبة بشكل مباشر أو غير مباشر من القصر خاصة في قطاعات العقار والبنوك والمال والاشغال العمومية والخدمات، وقد ازداد هذا الريع انتفاخا بفعل المضاربة العقارية والمالية (في بورصة الدار البيضاء تحديدا) حيث استغل بعض النافذين قربهم من مراكز القرار للاستفادة من تسريبات مخلة بالتنافس لتحقيق أرباح خيالية في ظرف وجيز لا يتعدى بضعة أشهر ودون عناء يذكر. في نفس الوقت استشرى الفساد، خاصة ذلك المرتبط بزواج المال بالسلطة، كما ظهر ذلك جليا من خلال تراجع المغرب في تصنيف الشفافية الدولي. بالمقابل، لم تنخفض نسبة البطالة بل تفاقمت في أوساط الشباب في حين اتسمت مناصب الشغل المحدثة بالهشاشة وعدم الاستقرار وتراجع المغرب في ترتيب التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة رغم اطلاق “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”. من جهة أخرى، تضرر رأس المال الصغير والمتوسط كثيرا من جراء استحواذ قلة قليلة على قطاعات مهمة من الاقتصاد المغربي وتراجع نصيب الصناعة التحويلية في الناتج الداخلي الخام. ولتكريس هذا النموذج “التنموي” الإقصائي على الصعيد السياسي، تم إحداث حزب جديد وفرت له جميع الإمكانيات ليحتل الصدارة على المستوى المحلي. أمام هذا الوضع، يكن مفاجئا أن تتصاعد الحركات الاجتماعية لتبلغ ذروتها مع هبوب رياح الربيع العربي وبروز حركة 20 فبراير المجيدة.

ما نستخلصه من هذا التحليل هو أن ما يسمى بالنموذج التنموي المغربي يحمل في أحشائه بذور الانتفاضات الاجتماعية بفعل طابعه النيولبرالي والاقصائي. وسيتأكد هذا بعد اعتماد دستور 2011 مع بروز معطى جديد تمثل في الرجوع القوي لصندوق النقد الدولي إلى المنطقة العربية بعد اندلاع الثورات العربية وتفشي أزمة الرأسمالية المعولمة. وقد نجم عن هذا التدخل فرض سياسات تقشفية صارمة اكتوت من نارها الطبقات الشعبية والفئات المتوسطة جراء رفع الدعم عن المحروقات وفرض “إصلاح” نظام التقاعد وتخفيض الكتلة الاجرية في الوظيفة العمومية عبر تجميد التوظيفات الجديدة وتبني التوظيف بالتعاقد والامتناع عن الزيادة في الأجور وتراجع الميزانيات المخصصة للقطاعات الاجتماعية (على سبيل المثال لا الحصر، لم تتجاوز نسبة نمو نصيب كل فرد من النفقات على الصحة 1 في المائة سنويا خلال الفترة 2010-2014). بالإضافة إلى هذا، سجل المجهود الاستثماري للدولة انخفاضا ملموسا خلال الفترة الأخيرة. بالمقابل، واصل رأس المال الكبير الاستفادة من مختلف الامتيازات والتحفيزات المقدمة من طرف الدولة، خاصة في إطار تنفيذ المخططات القطاعية دون أن يكون لذلك تأثير محسوس على النمو الاقتصادي. وهنا لابد من التذكير بالسؤال الجوهري الذي طرحه رئيس الدولة حول “أين هي الثروة”؟ وهل استفاد المغاربة جميعا؟ أم أنها همت فقط بعض الفئات؟”. وقد كان من المفروض أن يجيب المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي وبنك المغرب على السؤال المذكور من خلال عمل علمي يقيم حجم ونوعية رأس المال اللامادي، غير أن هذا العمل لم يصدر لحد الان إلا ما رشح من تسريبات نشرتها صحيفة “الايكونوميست”. وقد أظهرت المعطيات المنشورة قتامة الأوضاع الاجتماعية من حيث ضعف المشاركة في الدورة الاقتصادية وتفاقم البطالة- خاصة وسط النساء وحاملي الشهادات وانتشار العمل بالقطاع غير المهيكل وهشاشة أوضاع المأجورين. ونضيف بأن هناك ما يقارب 2,8 مليون شاب وشابة ما بين 15 و 24 سنة لا هم في المدرسة ولا في التكوين المهني ولا في مقرات العمل. بالإضافة الى هذا، تم الوقوف على حجم الفوارق الاجتماعية رغم أن المؤشر المستعمل للقياس يكتفي بمقارنة حصة مختلف الفئات من الاستهلاك، والحال أن الفوارق في الدخل والثروة ستكون بلا شك أقوى. فالميليارديرات المغاربة يحتلون مراتبة متقدمة مقارنة مع نظرائهم في العالم العربي وإفريقيا وثرواتهم تتضخم سنة بعد أخرى. فعلى سبيل المثال لا الحصر، حققت الشركات المسجلة ببورصة الدار البيضاء أرباحا قياسية في سنة 2016 في وقت لم يرتفع الناتج الداخلي الخام إلا بـ1 في المائة مما يعني أن  معدل دخل الفرد الواحد تراجع ب 0,5 بالمائة. والحال أن جل هذه الأرباح تم توزيعها عوض إعادة استثمارها في الدورة الاقتصادية. هذا يبين بالملموس أن الرهان على القطاع الخاص للدفع بعجلة التنمية خاطئ، فرغم كل التشجيعات والامتيازات لا زال نصيب القطاع الخاص في حدود 13-14 في المائة. أما على المستوى السياسي، فقد بقيت كثير من وعود الدمقرطة المتضمنة في دستور 2011- على محدوديتها- حبرا على ورق حيث ساهمت سيطرة  القصر على معظم القرارات- خاص الاستراتيجية منها – وتخاذل الطبقة السياسية وتركيزها على مصالحها الضيقة وممارسة السياسة السياسوية إلى فقدان المواطن الثقة في العملية السياسية برمتها. هكذا نبه التقرير المسرب أعلاه الى أن المواطنين فقدوا الثقة في المؤسسات الدستورية من حكومة وبرلمان، بالإضافة إلى الأحزاب السياسية والنقابات. ونضيف بأن العديد من جمعيات المجتمع المدني، خاصة تلك العاملة في مجال التنمية البشرية، تم تدجينها أو احتوائها.

أمام هذه الظروف ذات الأفق المسدود بالنسبة لفئات واسعة من شعبنا، لم يكن مستغربا البتة أن ينزل الناس إلى الشارع مرة أخرى وأن تتصاعد وتيرة الاحتجاجات الاجتماعية حيث تم تسجيل أزيد من 11 ألف حركة احتجاجية في سنة 2016 لوحدها، مما يبين حجم المعاناة والشعور بالحكرة والتهميش الذي يعاني منها الشعب المغربي. من هذه الزاوية، يمكن اعتبار انتفاضة أهالينا الشجعان في الريف إضافة نوعية للحراك الاجتماعي في المغرب نظرا لحجم الضرر والغبن الذي لحق المنطقة لعقود طويلة وأيضا لأهمية الخصوصية الثقافية والتنوع اللغوي في أجندة النضال الشعبي. هذا بالإضافة إلى صمود الحراك السلمي والمشروع في وجه حملات القمع والترهيب وانتهاك حرمة المنازل والاختطافات وإبرازه لقيادات شابة مستعدة للنضال السلمي من أجل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الثقافية في اطار مغرب موحد ومتضامن.

نستخلص مما سبق أن النموذج الاقتصادي المغربي يحمل في طياته بذور التقاطب الاجتماعي واللا استقرار كما تحمل الغيوم في أحشائها العاصفة،, وذلك ناتج عن طابعه النيولبرالي والاقصائي. وقد زاد من حدة آثاره الوخيمة على الجماهير الشعبية المستضعفة والفئات المتوسطة اعتماده على سياسات تقشفية صارمة منذ 2012. لهذا يعتبر تبني نموذج تنموي جديد يتمحور حول الدولة الديمقراطية التنموية والعادلة اجتماعيا المخرج الوحيد لتحقيق المطالب  العادلة للحركات الاجتماعية والقوى المناضلة من أجل التغيير الديمقراطي والعدالة الاجتماعية والمساواة بين الجنسين.

 

المقال من مصدره: الأول

By 

Sign In

Reset Your Password