مع حقبة ترامب سيبدأ تحويل الصين الى عدو للحرب الباردة الجديدة بدل روسيا

الرئيس الجديد للولايات المتحدة دونالد ترامب

يوم 2 ديسمبر الجاري، أجرى الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب اتصالا هاتفيا برئيسة التايوان تسي إنغ وينغ، وتتالت الكتابات في الكثير من الجرائد الدولية ومنها العربية مشيرة إلى قلة خبرة هذا الرئيس في العلاقات الدولية، لأنه يوقظ التنين الصيني من نومه.
لكن الكثير يتناسون أن هدف الإدارة الأمريكية الجديدة هو «التحرش» بالصين وتحويلها الى العدو الجديد بدل روسيا. وعمليا، يعتبر تصرف ترامب مثيرا للدهشة الدبلوماسية، على ضوء مواقف البيت الأبيض تجاه الصين منذ السبعينيات. فقد اتخذت واشنطن سنة 1979، إبان رئاسة جيمي كارتر قرارا بتجميد أي علاقات دبلوماسية مع تايوان وفي المقابل الاعتراف بالصين موحدة وواحدة، وهي التي تمثلها بكين. واحترم الرؤساء الأمريكيون هذا القرار رغم التجارة ومبيعات الأسلحة الأمريكية لتايوان. لكن الرئيس الجديد خرق هذا العرف يوم 2 ديسمبر، بل ذهب الى أبعد من ذلك يوم 11 من الشهر نفسه بتشكيكه في الاستمرار في اعتماد «الصين الواحدة» مقابل لا شيء، خاصة تنازلات تجارية من جانب بكين. وكم هي مثيرة تلك التعاليق والتحاليل التي تصف ترامب بالغبي وقليل الخبرة في العلاقات الدولية، دون أن يكلفوا أنفسهم استحضار معطيات واقع جيوبولتيك الجديدة ونوعية الفريق المرافق له، أو بعبارة أخرى، نوعية الفريق الذي وقف وراء إقناع ترامب بالترشح للانتخابات الى الفوز ثم تصميم السياسة الخارجية للولايات المتحدة مستقبلا.
تصريحات هذا السياسي الذي سيصبح رئيس الولايات المتحدة ابتداء من 20 يناير المقبل ليست بالغبية، وليست بالمغامرة الطائشة بقدر ما هي من المؤشرات الواضحة بشأن العلاقة المستقبلية بين الولايات المتحدة والصين. وهذا التصريح هو استمرار للتصريحات التي أدلى بها ترامب خلال الحملة الانتخابية، حيث بنى معظم حملته على موضوعين، وقف هجرة اللاتينيين وعلى رأسهم المكسيكيون حتى لا يتجاوزوا 10% من ساكنة الولايات المتحدة وبالتالي الحفاظ على النسيج التقليدي للمجتمع الأمريكي، ثم تحجيم دور الصين مستقبلا، أو على الأقل أن لا تبني قوتها على حساب التجارة مع الولايات المتحدة. ويوجد تيار قوي وسط المؤسسة العسكرية والدبلوماسية الأمريكية لا يرغب في عودة حرب باردة مع روسيا، لأن هذه الأخيرة وإن كانت قوية عسكريا، فاقتصادها محدود ولا يمكنه تشكيل أي تهديد حقيقي للمصالح الاقتصادية للولايات المتحدة حاضرا ومستقبلا. كانت روسيا في الماضي خطرا بسبب العامل الإيديولوجي، أي نشر الشيوعية، لكن حاليا، أصبح هذا البلد ليبراليا، رغم استمرار رأسمالية الدولة في قطاعات معينة.
في الوقت ذاته، يتكون الفريق الرئاسي الجديد للولايات المتحدة من عدد من المسؤولين المتعاطفين مع الكرملين. الرئيس دونالد ترامب يبدي إعجابا بنظيره الروسي فلاديمير بوتين، وجنرال المارينز المتقاعد ومدير المخابرات العسكرية السابق مايكل فلين يعتبر صديقا لفلاديمير بوتين، ويدعو الى التنسيق معه، كما أن وزير الخارجية المرتقب تعيينه يعتبر صديقا لروسيا وهو ريكس تليرسون رئيس شركة موبيل للنفط. في المقابل، تبقى الصين هي الخطر الذي يهدد مستقبل الولايات المتحدة للأسباب التالية:
أولا، ترفع الصين شعار زعامة العالم في منتصف القرن الحالي، وقد تضمن كتاب «الحلم الصيني» للمفكر العسكري ليو مينغ فيو، تصورا لهذه القفزة النوعية، وجعل قادة بكين من الكتاب «العقيدة الجديدة» لهذا البلد. يقول الكتاب «إذا كان القرن العشرين أمريكيا فالواحد والعشرين يجب أن يكون صينيا»، مستحضرين حضارة الصين الضاربة في جذور التاريخ. ولا تدعي روسيا تزعم العالم.
ثانيا، سير الصين نحو بناء أكبر طبقة متوسطة في التاريخ، علما بأن الدول تنهض بفضل طبقاتها المتوسطة التي تعني الحفاظ المتين على الاستقرار السياسي والاقتصادي بفضل الاستهلاك، بينما الطبقة المتوسطة في روسيا ضعيفة.
ثالثا، نجاح الصين في تحقيق قفزة اقتصادية نوعية، حيث تعتبر البلد الوحيد الذي تخطى حاجز العشرة آلاف مليار دولار كناتج إجمالي، وبدأ يقترب من
الـ 13 ألف مليار، وبالتالي الاقتراب من الناتج القومي الأمريكي الذي هو 17 ألف مليار دولار. وهذا يعني توفر الصين على الأرضية المالية الصلبة لتعزيز قدراتها العسكرية وتمويل نفوذها دوليا من خلال الاستثمارات والمساعدات. ويبقى الاقتصاد الروسي دون الأمريكي ما بين خمس وست مرات، بينما الصيني قد يتجاوز الأمريكي سنة 2030.
ويقول معظم جنرالات الجيش الأمريكي، خاصة الذين يختلفون جذريا مع إدارة باراك أوباما: إذا كانت الصين هي الخطر الذي يهدد قوتنا في العالم، وإذا كان البنتاغون نقل ومنذ سنوات معظم أساطيله العسكرية نحو المحيط الهادي لاحتواء الصين عسكريا، فكيف يعقل أننا نستمر في الاستثمار في الصين، ونستمر في منحها الأفضلية التجارية؟ هذه الشريحة من الجيش وبعض رجال الأعمال وسياسيين يقولون «السياسة الأمريكية الحالية، عن وعي أو بدونه، الآن تمول الصين لكي تزيحنا مستقبلا عن المركز الأول عالميا في الاقتصاد والقوة العسكرية، إننا ندمر أنفسنا بأيدينا». هذا التيار العسكري هو الذي يقلل الآن من أهمية الحلف الأطلسي، حيث يقول ترامب بعدم أهميته، ويراهن في المقابل على تطوير العلاقات العسكرية مع دول مثل الفلبين وكوريا الجنوبية وفيتنام واليابان لاحتواء الصين عسكريا.
الدول الكبرى تحتاج الى منافس، بل إلى عدو يكون محفزا لها على الاجتهاد والعمل، وإذا كان الاتحاد السوفييتي قد جسد التحدي منذ الحرب العالمية الثانية وحتى سقوط جدار برلين للولايات المتحدة، فالذي سيقوم بهذا الدور هي الصين التي تمتلك القوة الاقتصادية والبشرية والعلمية وسائرة نحو القوة العسكرية. وعليه، لا تعتبر تصريحات ترامب حول الصين وتايوان بمثابة ضعف خبرته في العلاقات الدولية بل مقدمة لمنعطف جديد وهو تحويل الصين الى منافس بل عدو المستقبل. الكلام نفسه كان يقال على الرئيس الأسبق رونالد ريغان بأنه ممثل كاوبوي لا يصلح للسياسة ولكنه نجح رفقة فريقه في تفكيك الاتحاد السوفييتي.

المقال من القدس العربي

مقالات ذات صلة

By 

Sign In

Reset Your Password