موريتانيا وسياسة “الغموض الرابحة” في نزاع الصحراء

تستمر العلاقات بين المغرب وموريتانيا باردة، وتستمر نواكشوط في الابتعاد ظاهريا عن ملف الصحراء ولكنها في الوقت ذاته، منقسمة بين تيارين، الأول ويفضل وجود دولة “صحراوية” بينها وبين المغرب، وتيار آخر يفضل وجود كيان صحراوي غير مستقل ولكنه مرتبط بالمغرب من قبل حكم ذاتي متطور يصل الى الفيدرالية أو الكونفدرالية.

وتعتبر موريتانيا من الدول المعنية بنزاع الصحراء لثلاثة أسباب ، الأول وهو أنها موقعة على اتفاقية مدريد سنة 1975 الى جانب المغرب، وبالتالي كان جزء الصحراء الجنوبي تحت سيادتها حتى انسحابها سنة 1979. ويتجلى السبب الثاني في اعترافها بما يسمى الجمهورية الصحراوية، بينما الثالث هو وقوع النزاع على حدودها.

وكل هذه الأسباب تجعل الأمم المتحدة تعتبرها ضرورة الإستشارة، وهو ما يفسر زيارة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة كريستوفر روس الى نواكشوط كلما قام بجولة لدى الأطراف المعنية، وحضور موريتانيا جميع المفاوضات التي يشرف عليها المبعوثون في هذا الملف.

وتوجد ثلاثة تيارات وسط موريتانيا حول الصحراء، تياران بارزان وآخر هامشي لا تأثير له. وهذه التيارات تظهر في لحظات معينة وبقوة وتنزوي لاحقا حسب تيرموميتر العلاقات بين الرباط ونواكشوط.

وعلاقة بالتيار الأول، وهو الضعيف والهامشي، يتجلى في وجود أصوات سياسية تطالب حكومة نواكشوط باستعادة الجزء الجنوبي من منطقة الصحراء المتنازع عليها، أي الجزء الذي تخلت عنه لصالح المغرب سنة 1979. وكان الجزء الجنوبي من الصحراء قد حصلت عليه موريتانيا بموجب اتفاقية مدريد نوفمبر 1975 التي وقعتها اسبانيا وموريتانيا والمغرب وانسحبت منه إبان الحرب في نهاية السبعينات. وهذا التيار ضعيف للغاية، وبرز منذ سنوات بشكل محدود ولم يعد تأثير نهائيا في الوقت الراهن.

والتيار الثاني وهو تيار لديه تأثير في دوائر الحكم ويدعو الى دعم مغربية الصحراء شريطة حصول الصحراويين على كيان ذي سلطة تتمتع باستقلالية كبيرة، بمعنى حكم ذاتي متطور للغاية أو الأحسن كونفدرالية بين الصحراء والمغرب. ويدعو هذا التيار الى اعتماد المغرب الشريك الاستراتيجي حاليا ومستقبلا بحكم العلاقات التاريخية. ويتكون هذا التيار من سياسيين وأطر متعاطفة مع المغرب وتكونت في المغرب.

ويدعو التيار الثالث وبدأ يبرز بقوة خلال الأزمة بين المغرب ونواكشوط التي تستمر منذ أكثر من ثلاث سنوات الى دعم دولة صحراوية فاصلة بين المغرب وموريتانيا. وهذا التيار تسرب الى الدبلوماسية والحزب الحاكم ودوائر الحكم عموما. ويتخوف هذا التيار مما يسميه هيمنة المغرب على موريتانيا. ويميل الرئيس الموريتاني الحالي محمد ولد عبد العزيز الى هذا التيار. ومن القرارات التي اتخذها التيار، وفق دراسة وبحث ألف بوست، هناك:

-يشجع عدم تعيين سفير موريتاني في المغرب رغم وجود سفير مغربي في نواكشوط. ويعتبر منصب السفير الموريتاني شاغرا منذ أكثر من ثلاث سنوات، وهو ما يعتبر بقطيعة تقنية من الجانب الموريتاني.

-تعيين الاتحاد الإفريقي لمبعوث خاص في نزاع الصحراء خلال يونيو 2014 في ظل رئاسة موريتانيا للاتحاد الإفريقي، وهو ما شكل دهشة في الرباط.

-تجنب موريتانيا أي لقاء رفيع المستوى بين الملك محمد السادس والرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، بما في ذلك في القمم كما حدث في الهند الشهر الماضي.

-تسجيل العلاقات بين موريتانيا وجبهة البوليساريو مستوى عال من التنسيق خلال الثلاث سنوات الأخيرة، حيث استقبل الرئيس محمد ولد عبد العزيز عدد من قياديي البوليساريو.

-رغبة موريتانيا في تهميش المغرب من أي دور في غرب إفريقيا، حيث لم توجه له الدعوة للحضور ولو كمراقب في اتحاد دول الساحل الذي تأسس في موريتانيا السنة الماضية، بينما استدعت فرنسا واسبانيا.

-سياسة تدريجية لتعويض الدور المحوري للمغرب في موريتانيا وخاصة الاقتصادي وتكوين الأطر بدول أخرى منها اسبانيا والانفتاح أكثر على الولايات المتحدة.

-ووسط كل ها الترويج لسياسة عدائية وسط الرأي العام الموريتاني، ومن ضمن الأمثلة، فصل صحفي في وسيلة إعلام عمومية لأنه أشار الى اشتراك موريتانيا في حدودها الشمالية مع المغرب، وهو طابو في الاعلام الرسمي بسبب اعتراف موريتانيا بما يسمى الجمهورية الصحراوية.

-وعلاوة عل هذا، رفض نواكشوط سحب الاعتراف بما يسمى الجمهورية الصحراوية، وتبني مواقف غير واضحة في المشاورات مع كريستوفر روس بدعمها مساعي الأمم المتحدة مع ميل للإستفتاء.

وسياسة الموريتانية لا تدخل بالضرورة ضمن ما يمكن اعتباره العداء المطلق والتاريخي ضد المغرب ومقابل ذلك التنسيق القوي مع الجزائر، وإنما تخضع لاستراتيجية بحث موريتانيا عن شخصية سياسية ودبلوماسي في المسرح الدولي وخاصة في محيطها الاقليمي. ولهذا، فهي ترى في الابتعاد عن المغرب وبدرجة أقل عن الجزائر طريقها نحو هذا الهدف. وتعتمد في هذا الصدد على الرأي العام الموريتاني الذي يحبذ هذه السياسية ويتبناها.

وتجري كل هذه التطورات في وقت تستمر فيه العلاقات الثنائية بين الرباط ونواكشوط في قطيعة دبلوماسية تقنية، على الأقل من الجانب الموريتاني، واستمرار موريتانيا في لعب دور الغموض في نزاع الصحراء،ـ لكنه غموض يميل الى جبهة البوليساريو ويرضي الجزائر ويقلق المغرب.

مقالات ذات صلة

By 

Sign In

Reset Your Password