موقف واشنطن “غير الودي” في الصحراء هل يدخل ضمن الفوضى الخلاقة أم نتيجة تراكم عوامل آخرى؟ وماذا عن المستقبل؟

الرئيس الأمريكي باراك أوباما ووزير الخارجية جون كيري ومستشارة الأمن القومي سوزان رايس والسفيرة الأمريكية في مجلس الأمن سامنثا بوير

أصبحت الدولة المغربية عبر مختلف مؤسساتها وخاصة الخارجية تتحدث عن “غدر أمريكي” في نزاع الصحراء، وتقول بمحاولة تطبيق واشنطن مفهوم “الفوضى الخلاقة” على المغرب. لكن معطيات الواقع تشير الى واقع أمريكي آخر في ملف الصحراء لا علاقة له بالفوضى الخلاقة التي ارتبطت بإدارة جورج بوش الإبن.

وطيلة سنوات، والدولة المغربية وعدد من المحللين يثنون على الموقف الأمريكي من الصحراء، وجرى هذا الثناء رغم وجود معطيات ملموسة التي كانت دائما تشير الى سيادة موقف مختلف عن ذلك الذي كان يعتقد فيه المغرب. والإشكال تجلى في رفع الدولة المغربية تصريحات بروتوكولية تتفهم موقف المغرب في النزاع الى مستوى “الدعم المباشر” للموقف المغربي دوليا، أي الاعتراف بمغربية الصحراء، الأمر الذي لم يحدث نهائيا. وكانت ألف بوست قد نشرت سنة 2014  (انظر الرابط أسفله) جردا لمواقف الإدارة الأمريكية، مشيرة الى غياب الاعتراف بمغربية الصحراء والى غياب دعم حقيقي للحكم الذاتي ولكن وجود تفهم أمريكي لمطالب المغرب.

ومنذ أبريل الماضي، تطور الخطاب المغربي نحو الولايات المتحدة، حيث أصبح عنيفا لاسيما بعد الدور “غير الودي” لواشنطن في صياغة قرار مجلس الأمن 2285/2016 حول الصحراء المصادق عليه يوم 29 أبريل الماضي. وبعد حديث الملك عن المؤامرة الغربية ضد وحدة البلاد، شدّد وزير الخارجية صلاح الدين مزوار الحديث على”الفوضى الخلاقة” في مناسبات متعددة. وعادت الوزيرة المنتدبة في الخارجية امباركة بوعيدة الى الحديث عن “الفوضى الخلاقة” في المؤتمر الصيني-العربي يوم 12 مايو 2016 في قطر. كما تركز الأحزاب المغربية على هذا الخطاب.

وتصريحات المسؤولين المغاربة تجر الى التساؤل التالي: هل تريد الإدارة الأمريكية تطبيق الفوضى الخلاقة على المغرب؟ أم عوامل أخرى تحكمت في الموقف الأمريكي في الصحراء؟

الفوضى الخلاقة هو مفهوم سياسي قديم يرمي الى خلق حالة سياسية جديدة، وقد اعتمده المحافظون الجدد في واشنطن لتغيير الوضع السياسي في الشرق الأوسط أساسا نحو الإصلاح الديمقراطي. وكانت وزيرة الخارجية كوندوليسا رايس قد اعترفت بهذا التصور سنة 2005. وبدأ تطبيقه مع غزو العراق سنة 2003. ولم يكن المغرب مستهدفا من الفوضى الخلاقة بل اعتمدته إدارة جورج بوش الإبن نموذجا رفقة الأردن تقتدي به الملكيات في الشرق الأوسط نحو الإصلاح والديمقراطية. وتشهد خطابات بوش على هذا.

والمثير في الأمر أن المغرب كان أداة من أدوات الفوضى الخلاقة عندما احتضن سنة 2004 مؤتمر “الشرق الكبير” الذي كان يمهد لشرق أوسط جديد. وجميع الأدبيات السياسية التي عاجلت المحافظون الجدد تتحدث عن أهمية تصور “الشرق الكبير”.

وتجنبت إدارة الرئيس باراك أوباما الفوضى الخلاقة الى مستوى ندم الرئيس نفسه على المساعدة في غزو ليبيا الذي كان برنامجا ومخططا فرنسا وبريطانيا: . وجاء في إيميلات وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون شبهات حول دور باريس ولندن في تقسيم ليبيا.

لكن في حالة نزاع الصحراء، فهناك عوامل أخرى تتحكم في الموقف الأمريكي لا تدخل ضمن الفوضى الخلاقة. ويبقى المعطى الرئيسي الذي يجب أخذه بعين الاعتبار هو عدم اعتراف الإدارة الأمريكية بمغربية الصحراء في أي مرحلة من مراحل النزاع.

خلال الماضي، كان المغرب يقبل باستفتاء تقرير المصير، وكانت إدارات مختلف الرؤساء تؤيد هذا الحل في عهد جيمي كارتر ورونالد ريغان وجورج بوش الأب وبيل كلينتون . وبعدما اقترح المغرب الحكم الذاتي، تفهمت إدارة بوش الإبن المقترح المغربي دون اعتماده حلا وحيدا.

لكن علاقة إدارة جورج بوش الإبن بالمغرب لم تكن جيدة.  فالضربة الموجعة للمغرب في الصحراء حتى الآن صدرت عن البيت الأبيض تحت حكم بوش الإبن. فقد تقدم المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة جيمس بيكر بمشروع (1996-2004) الى مجلس الأمن يوم 31 يوليوز 2003 ينص على الحكم الذاتي لمدة أربع سنوات وإجراء استفتاء تقرير المصير. وحاول السفير الأمريكي وقتها جون نيغروبونتي فرض مشروع جيمس بيكر رغم أن النزاع كان يتداول في إطار الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة وليس الفصل السابع. و في السنة الموالية، رفضت واشنطن أن تشمل اتفاقية التبادل التجاري الحر الأمريكية-المغربية منطقة الصحراء، وكان هذا موقف واضح بل موقفا سيسبب للمغرب مشاكل لاحقة ومنها مع الاتحاد الأوروبي.

وفي عهد جورج بوش الابن كذلك، تبنى السفير الأمريكي في مجلس الأمن وهو جون بولتون من صقور اليمين الأمريكي مواقف معادية للمغرب أكثر من أي سفير سابق. وكتب كتابا باسم “الاستسلام ليس حلا” حول مساره السياسي وخصص فصلا لنزاع الصحراء يطالب الإدارة الأمريكية بفرض استفتاء تقرير المصير.

وطيلة السنوات الماضية كانت إدارة جورج بوش الابن وفي النصف الأول من إدارة باراك أوباما تتفهم مطالب المغرب في الصحراء دون تبنيها. وتراجع هذا التفاهم الى الخلف ليحل محله الموقف الرسمي للولايات المتحدة وهو تأييد مساعي الأمم المتحدة وإعطاء الأولوية لتقرير المصير على مقترح الحكم الذاتي.

وتزامنت عدد من العوامل التي دفعت بالإدارة الأمريكية الى هذا التوجه كما دفعت بالمغرب الى الاعتقاد طيلة ثلاث سنوات بأطروحة لم تكن صائبة.

خلال سنة 2013، أقدم الرئيس الأمريكي باراك أوباما على تعيينات في صنع القرار السياسي-المدني لا تصب في صالح المغرب في نزاع الصحراء، حيث لم يعد للمغرب أي حليف وسط الإدارة الأمريكية بعد ذهاب هيلاري كلينتون. فقد عين جون كيري في منصب الخارجية وسامنتا بوير في سفارة الأمم المتحدة وسوزان رايس في منصب مستشارة الأمن القومي.

وفي الوقت الراهن، فمواقف الشخصيات الأمريكية المدنية (وليس العسكرية هناك عوامل عسكرية أخرى ستتم معالجتها في مقال منفصل) التي تساهم في صنع القرار السياسي حول نزاع الصحراء في الخارجية الأمريكية هي:

وزير الخارجية جون كيري: يعتبر من المؤيدين للبوليساريو ووقع سنة 2001 وثيقة تطالب وزير الخارجية وقتها كولن باول بضرورة الضغط على المغرب من أجل استفتاء تقرير المصير.

سوزان رايس: مستشارة الأمن القومي، متخصصة في تصفية الاستعمار، وتعتبر نزاع الصحراء ملفا استعماريا وتشدد على الاستفتاء.

سامنثا بوير: سفيرة الولايات المتحدة في مجلس الأمن، وهي ناشطة حقوقية متعاطفة مع موقف جبهة البوليساريو في نزاع الصحراء ونسقت مع نشطاء الجبهة في الماضي.

يضاف الى هذه المواقف موقف الرئيس باراك أوباما. ورغم أن نزاع الصحراء لا يحظى بأية أهمية لدى البيت الأبيض، فباراك أوباما يتبنى رؤية الراحل مانديلا للقارة السمراء ومنها ما يعتبره حق تقرير مصير الصحراويين.

وفي عامل آخر، قررت الدولة الأمريكية بكل مكوناتها من بيت أبيض وخارجية وبنتاغون واستخبارات بدء التخلي عن العالم العربي مقابل التوجه الى المحيط الهادي وتعزيز الشراكة الغربية. وترتب عن هذا بدء تراجع تفهم الإدارة الأمريكية لموقف المغرب في الصحراء بل والتخلي عن شريك تاريخي مثل العربية السعودية.

ومما زاد من ضعف الموقف المغربي في الإدارة الأمريكية هو نهجه لسياسة غير صائبة في اللوبيات التي  تدافع عن موقفه، حيث اعتمد على شخصيات بدون تأثير يذكر وبدون منفذ لصناع القرار في الدوائر العليا الأمريكية.

وقد تنفع سياسة تنويع الشركاء في دعم موقف المغرب، ولكن هذا يتطلب الكثير من التضحية والوقت وعدم التسرع في تأويل مواقف الدول مثل خيبة الأمل التي حملها اجراء الموقف الروسي في مجلس الأمن حول القرار 2285.

وستستمر واشنطن فاعلة في القرارات الدولية، وهنا يحضر أكبر تحد للدولة المغربية ويتجلى في: هل هي قادرة على جعل مقترح الحكم الذاتي في المرتبة نفسها مع تقرير المصير في أعين الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة خاصة مع الإدارة الأمريكية المقبلة؟ والعمل على الحفاظ على صيغة “الحل المتفق عليه” في توجهات الأمم المتحدة مستقبلا؟

 

مقالات ألف بوست خلال تتبعها لتطور موقف واشنطن من الصحراء

8 يونيو 2013

بتعيين رايس وبوير، تصبح جميع مراكز صنع القرار في واشنطن غير متعاطفة مع المغرب وتميل لتقرير المصير

9 يونيو 2013

استقبال دبلوماسيين أمريكيين لمحمد عبد العزيز يؤكد انفتاح واشنطن على جبهة البوليساريو

 

2 يوليوز 2013

مصدر أمريكي: نزاع الصحراء اقترب من فصله الأخير وواشنطن منفتحة على جميع السيناريوهات وإن كانت تحبذ الحكم الذاتي

26 يوليوز 2013

تأسيس لجنة أمريكية للدفاع عن تقرير المصير في الصحراء ضمن رهان البوليساريو على واشنطن على شاكلة ما فعلت في الاتحاد الأوروبي

18 نوفمبر 2014

حول إشكالية الغموض في موقف واشنطن من نزاع الصحراء

مقالات ذات صلة

By 

Sign In

Reset Your Password