هل ترفع حكومة باريس العلمانية الى مستوى الدين الجديد وتجعل من مسلميها موريسكيي القرن 21؟

الشرطة يضغطون على المرأة لنزع حجابها

يمدنا تاريخ الصحافة بصور لأحداث تبقى عالقة في الأذهان وتنتقل من جيل إلى آخر، بعضها تأثيره يكون على المستوى الوطني، والآخر يكون على المستوى الدولي بل ويمتد إلى ما هو عالمي ويحفظه التاريخ. وصور مجموعة من أفراد الشرطة وهم يجبرون امرأة على خلع حجابها عنوة في شاطئ نيس تحت ذريعة منع البوركيني من هذا النصف من الصور. هي صور ستبقى عالقة في الأذهان خاصة وأنها تتزامن في وقت يشهد فيه العالم توترا بسبب ارتفاع التطرف في الثقافات والديانات.

ونشرت وسائل الإعلام تلك الصورة يوم 23 غشت، تقوم مجموعة من أفراد الشرطة في شاطئ نيس الفرنسي بإرغام امرأة على نزع جزء من ملابسها تحت ذريعة أنه لا يناسب لباس البحر. وكانت الجريدة البريطانية «دايلي ميل» سباقة إلى نشر خمس صور في اليوم المذكور، خمس صور تؤرخ لإجراء مثير في دولة فولتير، واحدة لاقتراب الشرطة من المرأة ثم محاصرتها وأخرى لمخاطبتها، وقيام الأخيرة بنزع جزء من ملابسها وبدء تحرير المخالفة المالية. وخضعت المرأة لضغط الشرطة رغم غياب نص قانوني يمنع لباس البحر أو يحدد شكله بقدر ما يتعلق الأمر بتأويل «طالباني» للعلمانية.

ويخلف الإجراء الذي طبقه حتى يوم الجمعة من الأسبوع الجاري عدد من البلديات الفرنسية في الشواطئ وعلى رأسها نيس ضد النساء اللواتي يرتدين البوركيني تنديدا واستنكارا فرنسا ودوليا. وقام مجلس الدولة الفرنسي بإلغاءه بسبب المس بالحريات الفردية.

وإذا كان رئيس الحكومة مانويل فالس قد انحاز إلى تطبيق الإجراء وتأييده علانية بل ويصر على نقاشه رغم قرار مجلس الدولة الفرنسي، فقد رفعت وزيرات من وسط الحكومة صوتها معارضة. وتقول وزيرة التعليم، نجاة بلقاسم، وهي المعروفة بدفاعها القوي عن الحريات الفردية  أن الإجراء قريب من العنصرية.

وصدر الاستهزاء والتنديد والشجب من أصوات غربية ومسؤولة حكوميا، فقد تعجب رئيس الحكومة الإيطالية رينزي من قرار سلطات فرنسا منع البوركيني واعتبره قرارا غير ذكي، واستهزأ رئيس حكومة كندا جاستن ترودو من هذا الإجراء، ورفضت اسبانيا حتى التعليق على الإجراء. وكالعادة، التزم القادة العرب الصمت المطلق معتبرين ما جرى «شأنا داخليا فرنسيا”.

وهذا الإجراء الغريب من نوعه، يضاف إلى إجراءات أخرى ذهبت بعيدا في تأويل العلمانية الفرنسية إلى مستوى جعلها دينا يضاف إلى الديانات المتواجدة، وهذا يجر إلى تساؤل عريض: هل ترغب سلطات باريس في تحويل مسلمي فرنسا إلى الموريسكيين الجدد في أوروبا وفي القرن الواحد والعشرين؟ هل يرغب جزء من الطبقة السياسية الفرنسية الرفع من العلمانية إلى مستوى الدين؟

لقد أقدمت فرنسا خلال السنوات الأخيرة على قرارات مثيرة، فقد تزعمت منع الحجاب في المدارس ولاحقا تريد التشدد وتوسيع تطبيق القرار/القانون على النساء المسلمات في الأماكن العمومية. في الوقت ذاته، تتفرج السلطات المركزية الفرنسية على قرار بعض رؤساء البلديات الذين يريدون إرغام بعض المتاجر في ملكية المسلمين على بيع لحم الخنزير والمشروبات الكحولية.

ويضاف إلى هذا، قرار بلديات أخرى وبدعم من رئيس الحكومة منع البوركيني في مختلف شواطئ البلاد، حيث أصبح التنافس على من سيعمم المنع بعد تدخل الرئيس السابق نيكولا ساركوزي لتأجيج النقاش أكثر حول الهوية الفرنسية في تقليد واضح للمرشح الجمهوري للانتخابات الرئاسية الأمريكية دونالد ترامب.

وقد قام مجلس الدولة الفرنسي يوم الجمعة بوقف هذا الإجراء غير القانوني، معتبرا أن البوركيني لا يضر الأمن العام للبلاد. وقد أنقذ صورة فرنسا مؤقتا من الاستهزاء والتعجب من قرارات تمس روح الديمقراطية.

ما معنى أن تنفرد فرنسا لوحدها وسط الغرب بمنع الحجاب تحت مبرر العلمانية بينما دول عريقة في الديمقراطية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا تتساهل مع الحجاب بما في ذلك السماح بارتدائه في مؤسسات الشرطة والجيش؟ ما معنى أن تنتقل فرنسا إلى رفض لباس بحري أنيط به باسم مصطلح إسلامي تعسفا بل ولأسباب تجارية، بينما العالم بأجمعه يمنح الحرية للناس السباحة بحرا باللباس الذين يرونه مناسبا؟ ما معنى إقدام رؤساء بلديات على محاولة فرض بيع لحوم الخنزير على متاجر يشرف عليها مسلمون؟
ومن خلال هذه الإجراءات التي تطبقها فرنسا عنوة على الجالية الإسلامية باسم قيم الجمهورية، وبالتالي باسم الديمقراطية،  تكون قد تجاوزت القيم الديمقراطية نحو استعادة فصل بغيض من التاريخ ويتعلق الأمر بالموريسكيين.

وكانت السلطات الإسبانية في القرن السادس عشر ولكي تتأكد من ولاء أحفاد المسلمين قد فرضت عليهم لباسا محددا  غير لباسهم التاريخي، كما أرغمتهم على أكل لحم الخنزير بشكل يومي وشرب الخمر ليبرهنوا على ولائهم واندماجهم. إجراءات زجرية زادت في تهميشهم وسط المجتمع الإسباني وقتها ولم تضمن لهم رضا السلطات، هذه الأخيرة التي قامت بطردهم سنة 1609 في أولى عمليات الطرد التاريخية ذات الطباع الديني خلال الألفية الثانية من تاريخ البشرية.

لقد تعاطف العالم مع فرنسا عندما تعرضت لضربات إرهابية سنتي 2015 في باريس و2016 في نيس وخلفت مئات القتلى، لكنها تبدد هذا التعاطف بإجراءات غير منطقية ومعادية للديمقراطية. لقد كان موقف عدد من المثقفين والسياسيين من اليمين واليسار في فرنسا صائبا من خلال التحذير من انعكاسات هذه الإجراءات. وكانت افتتاحية جريدة ليبراسيون يوم 25 أغسطس الجاري بليغة عندما شجبت ورفضت قرار منع البوركيني، ونصحت السلطات الفرنسية بأن محاربة التطرف تتم في المساجد والجمعيات التي تروج لخطاب الكراهية وليس عبر منع البوركيني. وجاء قرار مجلس الدولة بإلغاء قرار المنع ليعيد لفرنسا نوعا من الكرامة القانونية والديمقراطية بدأت تفقدها مع «التهور» لكل من الرئيس فرانسوا أولاند ورئيس حكومته مانويل فالس.

قرارات فرنسا بدأت تجعل من العلمانية التي جاءت للحفاظ على الفضاء العمومي بعيدا عن هيمنة الدين عقيدة دينية جديدة، ولكن الأخطر أنها بتقديس العلمانية بدأت تجعل من الجالية المسلمة «موريسكيون جدد» في القرن الواحد والعشرين.

مقالات ذات صلة

By 

Sign In

Reset Your Password