…وتتوفر الاستخبارات الأمريكية على قسم للنقد الأدبي والفكري لدراسة بارث وفوكو وألتوسير

المفكر الفرنسي رولان بارث

يوجد جانب غير معروف لدى الاستخبارات الغربية وعلى رأسها الأمريكية وهو الاهتمام بالفكر والمبدعين سواء المفكرين الفلاسفة والأدباء وليس فقط أصحاب النظريات جيوسياسية، وتنجز دراسات حول مدى تأثير هؤلاء في مسار الأحداث. وهنا تأتي دراسة أنجزتها الاستخبارات الأمريكية سي أي أيه على مجموعة من المفكرين الفرنسيين البارزين مثل رولان بارث وألتوسير، حيث احتفلت بتراجع فكرهم في فرنسا في الثمانينات.

واعتادت الاستخبارت الغربية ومنها الأمريكية رفع السرية عن وثائق وتقارير معينة بعد مرور مرحلة من الزمن تكون قد فقدت قيمتها الاستخباراتية بشأن صناعة القرار، وتتحول الى مادة رئيسية للتأريخ. وهذه المرة، رفعت السرية عن وثائق تتعلق بمفكرين ومنهم الفرنسيين، علما أن الاستخبارت الأمريكية كانت تراقب، ما هو متعارف عليه، الفكر الفلسفي والإبداع الأدبي في روسيا ومنطقة أمريكا اللاتينية لطبيعته الثورية، ومن ضمن هؤلاء الراحل غارسيا مارغيز صاحب “مائة سنة من العزلة”.

ويكتب غابرييل روكهيل وهو أمريكي من أصول فرنسية في المحلق الأدبي لجريدة لوس أنجليس تايم عن وثيقة هامة للاستخبارات الأمريكية صدرت سنة 1985، مبرزا أن المتعارف عليه هو “غياب تأثير للمثقف وسط المجتمع الذي يعيش فيه، لكن الأمر يختلف للمخابرات الأمريكية التي ركزت على مفكرين ومنهم فرنسيين بارزين”. وتناول الاعلام الفرنسي والإسباني هذه الدراسة خلال الأسبوع الجاري.

الوثيقة تحمل اسم “فرنسا: تراجع المفكرين اليساريين”، تقول أنه بعد عقود من السيطرة الفكرية والسياسية في أوساط الأحزاب اليسارية والجامعية الأكاديمية يتراجع الفكر الذي من رواده رونالد بارث وجاك لكان وألتوسير وميشيل فوكو، حيث ظهر في الثمانينات جيل جديد من الفلاسفة مثل بيرنار هينري ليفي وأندري كلوكسمان المحسوبين على الفكر الليبرالي. واعتبرت الاستخبارات الأمريكية ذلك التحول من أكبر الانجازات في حربها الثقافية في أوروبا.

والمثير أنه بنوع من النقد الموضوعي لا تفرح سي أي أيه كثيرا لهذا التحول، فهي تعترف بأن جيل الفلاسفة الجدد مثل هينري ليفي محدودين الأفق فكريا ولا يمكنهم المساهمة الفعالة في الفكر السياسي وبالتالي في البرامج السياسية في فرنسا مثل السابقين.

ومن المفارقات التي تحملها الوثيقة أنه في الوقت الذي تراجع فيه مفكرون مثل بارث وألتوسير في فرنسا في أواسط الثمانينات بدأوا في التاريخ نفسه ينتعشون في الجامعات الأمريكية وخاصة في الساحل الشرقي من جامعات بوسطن حتى ميامي تحت عنوان فكري كبير وهو “النظرية الفرنسية”، وهو ما جعل سي أي إي ترتكب لاسيما وأن البلاد كانت تعيش ثورة يمينية محافظة مع الرئيس وقتها رونالد ريغان.

ويبرز غابرييل روكهيل مدى اهتمام الاستخبارات الأمريكية بنظريات الفكر السياسي والثقافة عموما لخلق أجواء سياسية مناسبة لمصالح الولايات المتحدة. وتاريخيا، نفذت عمليات شهيرة مثل “الطائر الساخر” للتأثير على وسائل الاعلام الدولية أو إنشاء جمعيات دولية كبرى مثل “الكونغرس العالمي للحرية” الذي لعب دورا هاما في نشر كتب وروايات وتنظيم مؤتمرات فنية وفكرية.

عند رفع السرية عن وثائق أخرى حول المفكرين، لا تتفاجأوا أن بعض نقاد الرواية والفكر من الاستخبارات الأمريكية قد يحصلون على جزائر ثقافية رفيعة.

By 

Sign In

Reset Your Password