وول ستريت جورنال: المهاجرون الافارقة في المغرب بين نبذ الساكنة وصعوبة العبور وعدم الرغبة في العودة الى بلدانهم

صورة لمهاجرين أفارقة/والت ستريت جورنال

مثلما شاهد العالم مئات الآلاف من السوريين وهم يعبرون إلى أوروبا من جهة الشرق، فإن شمال الصحراء مليئ بأعداد مماثلة من الأفارقة الذين يصممون على خلق منافذ خاصة بهم.

إنهم مهاجرون من أكثر من عشر دول إفريقية وصلوا إلى المغرب والجزائر وليبيا بأعداد لم يسبق لها مثيل، ينامون في الشقق والمستودعات المهجورة وفي شوارع المدينة. والآلاف منهم يعيشون في مخيمات سريعة التوسع في الغابات، ويقتاتون على القمامة والمياه المسروقة.

 هنا في العاصمة المغربية، حوالي 50 مهاجراً من غرب أفريقيا في طريقهم إلى أوروبا يعيشون في قرفصاء مهجور (سكواط)، أطلقت عليه الساكنة اسم “التيتانيك”، لأنه كبير ومليء بالمسافرين الذين قد لا يصلون إلى وجهتهم. ومن بينهم حاملو شهادات جامعية يتقنون الحديث بعدة لغات، وضباط سابقون في الجيش، وكذلك مغني بوب ناجح، وكلهم باتوا اليوم يتناولون وجبات عشاء لا تتعدى نصف دولار، قوامها البيض والخبز الجاف.

 WSJ

منهم من انقطعت به السبل هنا منذ سنوات، بعد أن تعرضوا للسرقة والتعذيب من طرف المهربين؛ منبوذون من قبل الجيران، وأجسادهم مجروحة بسبب الأسلاك الشائكة للسياج الحدودي عندما حاولوا تسلقه.

 “إننا أشبه بالأشباح في هذا الوضع. لسنا منتجين، ولا أحد يرانا ولا أحد يعتبرنا”، يقول “بامبا”، وهو شاب يبلغ من العمر 23 سنة، غادر الدراسة الجامعية في ساحل العاج، وفشل أربع مرات في العبور إلى إسبانيا على متن قارب منفوخ. واستطرد قائلا “لا نستطيع التقدم نحو أروبا ولا نستطيع العودة إلى بلداننا. بالنسبة لنا، ليس هناك خيار ثالث، إما أن نصل إلى أوروبا وإما أن يموت”.

وراء موجة المهاجرين الذين يتوافدون إلى أوروبا تختفي حكاية أخرى، وهي أن الضفة الإفريقية للبحر الأبيض المتوسط أصبحت غرفة انتظار واسعة لأعداد قياسية منهم لم يستطيعوا الوصول إليها.

 في المغرب أصبح التسلل الى الثغرين الإسبانيين أكثر صعوبة من أي وقت مضى بسبب السياجات الجديدة التي شيدت بتمويل من الاتحاد الأوروبي يقدر بمليارات اليوروهات. كما أن الوسائل التكنولوجية المتطورة، والكاميرات الباحثة عن المصادر الحرارية، والدوريات البحرية، صعبت عمليات الإبحار عبر مضيق جبل طارق الذي يفصل إفريقيا عن أوروبا.

 ومع ذلك، لا يزال الشبان يتوافدون كل سنة، لينضافوا إلى عشرات الآلاف من المهاجرين من غرب أفريقيا الذين سبقوهم إلى هنا. وكلهم يتعاطون للتسول والعمل المياوم بهدف شراء زوارق.

 وكما هو الشأن بالنسبة للمهاجرين الافارقة الـ 100 ألف في المغرب، وما يزيد عن نصف مليون في ليبيا، حسب بيانات المنظمة الدولية للهجرة فإن الأغلبية الساحقة من المهاجرين من الشباب، وهم عازمون على التسلل إلى الشمال. إنهم يمثلون أيضا شهادة حية على قصور الاستراتيجية الأروبية ضد الهجرة.

صناع القرار السياسي في الاتحاد الأوروبي يسعون على نحو متزايد إلى تمويل الدول المجاورة مثل تركيا وتونس مقابل بناء الأسوار وتولي المراقبة اللازمة لخنق جبهة جديدة للهجرة. في سبتمبر، رصد الإتحاد مليار دولار لإطعام وإيواء اللاجئين خارج أوروبا، وإقامة سياجات جديدة على الحدود. كما أن المستشارة الالمانية انجيلا ميركل رصدت  غلافا ماليا قدره 3 مليار أورو من المساعدات لبرنامج مماثل في تركيا.

المغرب حقل تجارب للحد من الهجرة، حيث تم بناء سياج شائك يمتد لأميال، وعلى ارتفاع 20 قدما، حول الثغرين الاسبانيين، وحتى الآن فقد انخفض عدد المهاجرين الذين عبروا إلى أراضي الاتحاد الأوروبي إلى 100، في عام 2015، مقابل 2100 في العام الماضي.

لكنهم لم يقنعوا العديد من الأفارقة في العودة إلى بلدانهم. بل إنهم صاروا يتوافدون أكثر من أي وقت مضى بهدف تجريب حظهم. وبقدرما يزداد عدد القادمين، بقدرما يزداد عدد الذين يتمكنون من العبور. حسب وكالة مراقبة الحدود الخارجية في الاتحاد الأوروبي “فرونتكس”، فإن عدد المهاجرين الذين عبروا إلى اسبانيا على متن القوارب المنفوخة ارتفع بنسبة ٪30 إلى 2800 خلال الأشهر الثلاثة الأولى من هذه السنة، مقارنة مع الفترة نفسها من السنة الماضية. والآخرون بقوا عالقين، إلى غاية اللحظة، وينتابهم شعور بأن نافذة الفرص قد تغلق أمامهم بالنظر إلى موجة نزوح اللاجئين السوريين التي قد تستنفد طاقة أوروبا في استيعاب المهاجرين.

العديد من هؤلاء المهاجرين يعترضون بشدة على التعريفات السطحية المعتمدة في التفريق بين اللاجئين والمهاجرين لاسباب اقتصادية. ذلك أن الهجمات الإرهابية التي شهدتها الصحراء على مدى سنوات جعلت من المستحيل أن تميز بين القرويين الذي يفرون من المتمردين الإسلاميين والذين يفرون من الفقر.

إن تواجدهم على التراب المغربي يضع المغرب في موقف محير لم يألفه. ذلك أنه ليس بلدا لللمهاجرين ولا للنازحين، وإنما هو موطن انتقالي على مشارف أوروبا.

وفي هذا الصدد قال مدير أبحاث الهجرة في مركز الأبحاث “التاي كونسلتنغ”، إريزو مالاكووتي، في حديثة الى “ووول ستريت جورنال”: “لقد أصبح المغرب عن غير قصد بلد وجهة، وليس بلد عبور، والسؤال الذي يطرح نفسه هل هذا الوضع دائم أم مؤقت، وإذا كان مؤقتا أين سيذهب المهاجرون؟

معبر ضيق

ثمة قطعة من البحر من تسعة أميال فقط تفصل بين أغنى قارات العالم وأشدها فقرا. اللقالق والملاك الحزينة تنقض ذهابا وإيابا عبر مضيق جبل طارق، والبشر كذلك لم يتوقف عن الجذف عليه منذ أيام الأسطورة اليونانية، عندما قيل أن هرقل مر من هنا، وكان يقطع الجبال بسيفه. حمولات سفن الأوروبيين الفارين من الحرب العالمية الثانية هي الأخرى مرت من هنا. كما أن المغاربة أبحروا في الاتجاه الآخر بأعداد مماثلة، بحثا عن عمل في فرنسا وإسبانيا، إلى حدود تسعينات القرن الماضي، عندما تقلصت الفجوة في الأجور بين بلادهم وأوروبا.

في هذه الأيام، أتى الدور على رجال غرب افريقيا ليملأوا الساحل الجبلي في المغرب، في انتظار العبور إلى الضفة الأخرى. “لقد حاولت مرتين. وفي كل مرة، يرجعونني” هكذا قال شاب غامبي يدعى أمادو كيتا، على طريق سريع يلفها الضباب، ومعه حوالي 300 من غرب أفريقيا وغيرها، يتسولون ويشاهدون السيارات وهي تتجه بسرعة نحو منتجع سبتة، ثم استطرد قائلا “سنواصل المحاولة”.

وقد كافح المغرب من أجل أن يعود هؤلاء الناس إلى بلدانهم. وعرضت عليهم الحكومة والمنظمة الدولية للهجرة رحلات مجانية وحافلات للعودة، ولم يعد منهم إلا نسبة قليلة.

غير أن التوتر بينهم وبين السكان المحليين آخذ في الازدياد. وقد اشتكت امرأة تبلغ من العمر 50 عاما، تقطن في شارع الذي يوجد فيه “التيتانيك” وقالت: “إنهم يوجدون في كل مكان. وينجبون الكثير من الأطفال”، مضيفة أن “ما هو أكثر من ذلك، أنهم ينقلون معهم الأمراض من بلادهم.”

وقال جار آخر، وهو رجل في الستينات من عمره: “يوما ماً سنجد أنفسنا مغمورين وسط السود”.

وقال مدير البيت الذي يقطنه المهاجرون، ويطلقون عليه لقب “القائد”: “لقد حاولنا كل الطرق، وسوف نستمر في المحاولة. أبواب أوروبا تغلق في وجوهنا، وربما تكون فرصتنا قد ضاعت، ولكننا لن نتراجع”.

وللتهرب من الشرطة، انتقل الآلاف من المهاجرين إلى الغابات وأقاموا مخيمات. وقد عاش 540 شخصا من الكاميرون وساحل العاج ونيجيريا ومالي لمدة أربعة أشهر في مخيم بدون صرف صحي ولا كهرباء ولا ماء صالح للشرب في موضع يطل على الساحل الأروربي فوق مقبرة طنجة. يقضون النهار في التسول والبحث عن الطعام ورسم خطط جديدة في البحر. وفي الليل يلعبون الورق ويخيطون أحذيتهم ويقرعون البراميل ويغنون “ريحانا”

وقال نيوتن، وهو شاب كامروني (28 عاما) تخرج من الجامعة ويتكلم ثلاث لغات: “منا أطباء ومنا مهندسون. معنا أشخاص في هذا المخيم من يمكن أن يكونوا قادة دولنا”. وأضاف كينزو، وهو شاب من ساحل العاج (23 عاما): “نريد أن يفهم المغرب أن الهدف التي أتينا من أجله إلى هنا هو العبور وليس البقاء”.

لقد حاول المغرب استيعاب هذه الآلاف من الشباب، حيث أعطى في العام الماضي رخص الإقامة لأكثر من 17 ألف من المهاجرين. ولكن الكثير من حاملي تلك البطاقات احتفظوا بقواربهم، وذلك لأسباب تتعلق بالفخر والطموح في جني المال، وانتظارات الأسرة، والرغبة في رؤية القارة التي استعمرت إفريقيا.

وقال الناطق باسم الحكومة المغربية، مصطفى الخلفي: “إن الوضع معقد للغاية. لدينا سياسة للبلاد، لكننا في حاجة إلى سياسة عالمية ايضا”.

باب أوروبا

 بدأت رحلة الشاب “بامبا” سنة 2011 عندما حطمت الحرب في ساحل العاج متجر إصلاح السيارات المملوك من طرف والده. وتنقل لمدة 18 شهرا بين صحراء مالي وغابات الجزائر.وهاهو الآن في المغرب ينام في العراء.

 وقال هذا الشاب الذي انقطع عن الدراسة في علم الإجتماع: “جاءت الحرب، ونفد المال وكان علينا أن نغادر”. ثم تابع قائلا: “صحيح أنه كان بإمكاني أن أربح شيئا لو بقيت هناك، ولكنني لن استطيع ان افعل أي شيء لوحدي”.

 بامبا لاعب كرة القدم وقامته ستة أقدام. أتى إلى المغرب لكي يتسلق السياج العالي الذي يحمي الثغور الاسبانية، ما تسبب في بتر ذراعه ويقول إن الشرطة المغربية ضربته. لهذا حجز لدى المهربين تذكرة للعبور على متن قارب قابل للنفخ. وتعرف هذه الوسيلة في أوساط المهاجرين الذين يجرون المجاذيف  بـ “رامر رامر”.

 في الرحلة الأولى كاد أن يغرق. وفي الثانية، اعترضته البحرية المغربية، في الثالثة أصيب المحرك بعطب، وفي الرابعة لم يأت صاحب القارب يوم الموعد. وأخيرا، انتهى به الأمر في “التيتانيك”، ذلك المبنى المليء بالمهاجرين العالقين.

منهم من قضى شبابه هنا، وعلي (33 عاما) واحد من هؤلاء، حيث قضى تسع سنوات وهو يحاول العبور إلى أوروبا. وقال هذا الشاب الايڤواري في حديثه لـ”ووول ستريت جورنال”: “كل الصغار الذين كنت أعرفهم عندما كنت في بلدي تزوجوا وأنجبوا أطفال”. وتابع قائلا “انظروا إلى الوضع الذي أعيشه الآن. أعلم أنني ارتكبت خطأ وغامرت لكي آتي إلى هنا، ولم أحقق هدفي. ومع ذلك من الأفضل أن أبقى”.

الرجال هنا مكدسون في مبنى مهجور، محاط بالأنقاض من كل جانب، ويكسبون قوت يومهم بحمل صناديق الفاكهة وقت شروق الشمس في سوق مجاور. وكلهم يحاولون العبور إلى أوروبا ولكل منهم حكايات عن المحاولات الفاشلة وخطط جديدة يأملون أن تنجح.

قال “القائد” مدير البيت : ” “لقد حاولنا كل الطرق، وسنستمر في المحاولة”، وتابع وهو يمضغ بزور العنب  خلف صندوق من الورق المقوى يستعمله كمائدة :”أبواب أوروبا تغلق في وجوهنا، وربما تكون فرصتنا قد ضاعت، ولكننا لن نتراجع”.

بعد حوالي ساعة، دخل من الباب الرئيسي شاب موريتاني، وقد وصل لتوه من المطار، ويحمل على كتفه حقيبة وقال “وصلت لتوي”.

WSJ1

المقال من مصدره: 

مقالات ذات صلة

By 

Sign In

Reset Your Password