أطروحة سوريالية في ثوب أكاديمي: الحرب الأهلية في الغربيب وخصوصا في أوروبا بسبب المسلمين

تفجيرات 11 سبتمبر

إنها أشبه بالحرب الأهلية التي قد تنفجر في أوروبا جراء إرهاب الجماعات المرتبطة بـ»داعش» و»القاعدة»، جاء هذا في تصريحات الباحث الفرنسي في الشؤون الإسلامية جيل كيبل هذه الأيام. وجرى ترديد هذه الجمل التي تحمل تصورات مبالغ فيها بدون تمعن، وذلك على خلفية الاعتداءات التي وقعت في باريس وبروكسل خلال السنة الأخيرة.
ويعتبر جيل كيبل باحثا رزينا في مجال العلوم السياسية، وقد أغنى المكتبة الغربية بمؤلفات حول ظاهرة الإسلام السياسي. وقد نتفق أو نختلف معه في الكثير من الأطروحات الواردة في مؤلفاته، ولكن مؤخرا بدأ ينتهي إلى خلاصات غريبة مثل قوله «باحتمال اندلاع حرب أهلية في أوروبا» نتيجة العمليات الإرهابية التي تعرضت لها أوروبا، خاصة فرنسا. ويقدم في هذا الصدد رواية سياسية تقوم على دلائل يعتبرها كافية لتبرير هذه الأطروحة، بعضها مستقى من مسؤولين أمنيين، وأخرى مصدرها إعلاميون لهم أجندة خاصة تقوم على التجييش. وبهذا التصريح يبدو على غير عادته وكأنه يميل الى تبني الأطروحات السهلة، التي ينهجها كتاب يقدمون أنفسهم مفكرين مثل الفرنسي إريك زمور أو الإيطالية الراحلة أوريانا فالاتشي ترمي إلى لفت الأنظار، وهي أطروحات لا تصمد أمام أي اختبار أكاديمي لهزالة التصور القائمة عليه، لكنها تلقى، مع الأسف الشديد، الإقبال التجاري في المبيعات ونوعا من التأثير في الرأي العام.
إن القول بتسبب إرهاب الجماعات المتطرفة في فرنسا وأوروبا في حرب أهلية في أوروبا مستقبلا نتيجة الخسائر المترتبة عن هذه الاعتداءات وأجواء الاحتقان التي تترتب عنها، قول غير سديد بالمرة. كما أن القول بسعي المتطرفين الى تدمير أوروبا في محاولة فرض نظام إسلامي، يدخل في باب الخيال المطلق، ولن أسميه بالخيال العلمي، لأن الخيال العلمي يتحقق أحيانا. كما أنه لا يدخل حتى في نطاق الدراسات الاستراتيجية الرزينة التي تحاول التكهن بالمستقبل. القول بأطروحات مثل الحرب الأهلية جراء الاعتداءات الإرهابية ناتج إما عن مخطط يرمي إلى الرفع من مستوى الاحتقان، وهذا يحدث مع بعض المفكرين الأوروبيين الذين هم أقرب إلى ممارسة التجييش السياسي منه إلى البحث الفكري ـ وبطبيعة الحال لا ينتمي جيل كيبل إلى هذه الطينة. كما يحدث نتيجة عدم استحضار معطيات الواقع الحقيقي ومعالجتها بتأن ورزانة وقد يكون كيبل قد سقط في هذا الخطأ.
المساحة المخصصة للمقال في هذه الجريدة لا تسمح بإسهاب في التحليل لتقديم عرض يلم بكل الجوانب لدحض مقولة الحرب الأهلية في أوروبا، لكن هذا لا يمنع من استعراض بعض معطيات الواقع: في المقام الأول، المجتمعات الأوروبية تعرف كيف تفرق بين المسلم العادي والإرهابي، وتدرك هذه المجتمعات أن المسلم أصبح جزءا من مكونات الشعب الأوروبي أو الغربي عموما، ولهذا هناك قبول بتولي مواطنين من معتقدات وأصول مسلمة مراكز المسؤولية، مثل الوزارات وعمداء المدن. ويمكن الاستشهاد بوزراء في حكومة فرنسا وبلجيكا وهولندا، أو رئيس بلدية لندن.
في المقام الثاني، وارتباطا بالنقطة السابقة، تعرضت أوروبا لعمليات إرهابية من طرف تنظيمات مثل «القاعدة» و»داعش» منذ 2004 مارس في العاصمة مدريد الى نوفمبر 2015 في باريس، وكذلك بروكسل، علاوة على عمليات إرهابية محدودة مثل اغتيال بعض أفراد الشرطة بينما أخرى تبقى مبهمة مثل اعتدءات نيس وبرلين بالشاحنة بعدما لم يتوصل التحقيق الى الجزم بأ،ها عمل إرهابي. وطيلة هذه المدة الزمنية وقع احتقان تفاوتت درجته من بلد الى آخر، ومن هيئة سياسية الى أخرى. وفي حالة فرنسا، إذا كانت الجبهة الوطنية قد استغلت هذه الاعتداءات، فأحزاب أخرى طالبت بالهدوء، ولم يتم المزج كثيرا بين الفرنسي المسلم والإرهابي. ولعل من أهم الأمثلة الدالة حالة الولايات المتحدة، فقد شهد هذا البلد العملية الإرهابية في 11 سبتمبر 2001، ورغم أن الشعب الأمريكي في معظمه يحمل السلاح ويسقط الآلاف قتلى بالرصاص سنويا نتيجة مشاحنات، لم يتم تسجيل الهجوم المسلح على المسلمين باستثناء حادثين، واحد منهما ذهب ضحيته تاجر من السيخ اعتقد مهاجمه أنه مسلم.
في المقام الثالث، الحديث عن حرب أهلية، ووفق التجارب التاريخية، يتطلب انشطار المجتمع الواحد إلى قسمين أو على الأقل الثلث أو كحد أدنى ربع الشعب يكون على خلاف مع ربع شعب آخر، ويكون أحد الطرفين مسيطرا على مدن وأقاليم ويحتل مراكز حساسة في الأمن والجيش تمكنه من تحريك القوات. وتعيش سوريا حربا أهلية لأنه وقع انقسام وسط المجتمع والجيش والمؤسسات الأمنية والسياسية. وهو ما حدث في يوغوسلافيا سابقا وما نتج عنه من حروب البلقان. ويمكن اللجوء الى التاريخ الأمريكي، إذ وقعت الحرب الأهلية في القرن التاسع عشر، لأن البلاد انشطرت إلى شطرين، ولكن لم تقع الحرب الأهلية جراء ملاحقة البيض للسود لأن السود كانوا أقلية دون 12% من الساكنة ولم يكونوا يسيطرون على أي ولاية أو لهم حضور في الجيش. ويشكل الأوروبيون المسلمون أقل من 6% من مجموع ساكنة أوروبا، والأغلبية الساحقة مندمجة وتعيش حياة هادئة، بينما عدد من تورط بشكل مباشر في أعمال إرهابية مسلحة في أوروبا من مسلمي أوروبا، لا يتجاوز المئة شخص خلال العقدين. وهذه النسبة ترتفع بشكل غير مقلق إذا أخذنا بعين الاعتبار من ينتمي إلى حركات إرهابية دون تنفيذ عمل إرهابي أو من توجه الى مناطق النزاع في الشرق الأوسط.
في المقام الرابع، بمجرد ما اتفقت الدول الأوروبية على سياسة الصرامة والحزم تجاه المتطرفين في المساجد الأوروبية من طرد بعض الأئمة وقطع المساعدات المالية حتى تراجع خطاب الكراهية الذي كان علامة تجارية للبعض للحصول على المساعدات أكثر منه عن اقتناع.
في الماضي كان الإعلاميون ينظرون الى الأعمال الأكاديمية كمرجع، أما الآن فيبدو أن بعض الأكاديميين يتأثرون بالأطروحات الصفراء الخفيفة لمجيشين أكثر منهم مفكرين.  وهذا التوجه مقلق للغاية يستحسن تفاديه مستقبلا.

مقالات ذات صلة

By 

Sign In

Reset Your Password