المؤسسة العسكرية الأمريكية والاستقطاب الانتخابي بين ترامب وكلينتون/ د.حسين مجدوبي

المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون والمرشح الجمهوري دونالد ترامب

 حصل المرشح الجمهوري دونالد ترامب على تأييد مهم من طرف قادة سابقين في الجيش الأمريكي عبر رسالة وقعها 88 جنرالا وأدميرالا في التقاعد والاحتياط معتبرينه الأمثل لترؤس القوات المسلحة الأمريكية.
وهو ما شكل مفاجأة للكثيرين الذين كانوا يعتقدون بوقوف الجيش مع هيلاري كلينتون مرشحة الحزب الديمقراطي، بل ذهبت بعض التحاليل إلى الحديث عن احتمال وقوع انقلاب عسكري في حالة فوز الجمهوري. ويوم 6 سبتمبر الجاري، وجه 88 جنرالا وأدميرالا من المتقاعدين والاحتياط رسالة مفتوحة للرأي العام الوطني يعتبرون فيها أن سياسة المرشح الجمهوري دونالد ترامب ستكون الأمثل لمستقبل الولايات المتحدة. وفي هذه الرسالة، يؤكدون أنه السياسي المناسب لإعادة بناء القوات العسكرية الأمريكية بعدما عانت الكثير من الاقتطاعات، في وقت عززت فيه جيوش لدول منافسة ومعادية قدراتها العسكرية. ويرون ضرورة تقوية السياسة الخارجية لواشنطن بعد التراجع الذي شهدته خلال سنوات الرئيس باراك أوباما، ومنها دعوتهم الى ضرورة القضاء على الحركات الإرهابية في الشرق الأوسط.
في الوقت ذاته، يعتبرونه الأمثل لإرساء الأمن داخل الولايات المتحدة، بعدما تراجع الأمن نتيجة ارتفاع الإجرام خاصة المنظم. علاوة على مراقبة حدود الولايات المتحدة، في إشارة الى الهجرة القادمة من أمريكا اللاتينية، خاصة المكسيكية منها، حيث تبنى ترامب مواقف متشددة من هذه الهجرة. وكان الاعتقاد السائد هو وقوف الجيش وراء المرشحة الديمقراطية هيلاري، لكن هذه الرسالة بددت هذه الأطروحة، لتؤكد أن الكثير من القادة يتبنون أفكار دونالد ترامب. وهذه الرسالة تبرز الدور الحالي للمؤسسة العسكرية وأجندتها مستقبلا، حيث لا يمكن فهم الرسالة سوى الأخذ بعين الاعتبار علاقة الجيش بالبيت الأبيض خلال العقدين الأخيرين. كما تأتي هذه الرسالة في خضم بروز دور بعض الجنرالات في الحملة الانتخابية الحالية، كما تكتب مجلة «فوراينر بوليسي» في موقعها الرقمي، وأبرزت الدور الذي يلعبه الجنرال مايك فلاين لصالح ترامب والجنرال آلين لصالح المرشحة الديمقراطية كلينتون. وهكذا، فرسالة التأييد لدونالد ترامب تبرز وقوف جزء مهم من الجيش إلى جانب دونالد ترامب، ويمكن استخلاص بعض النتائج من الرسالة وهي:
في المقام الأول، يعتبر الجنرالات في الاحتياط والمتقاعدين عمليا الناطقين باسم المتواجدين في الخدمة في الجيش الأمريكي، وبالتالي هذه الرسالة تضع حدا لتلك الأخبار التي كانت تفيد بوجود تذمر وسط الجيش من تصريحات دونالد ترامب، إلى مستوى احتمال انتفاضة للجيش ضد المرشح الجمهوري، أو حدوث انقلاب عسكري في حالة فوزه. وذهبت مقالات لتتحدث عن فرضية الانقلاب، علما بأن نشر أطروحة مثل هذه هي ناتجة عن عدم فهم دور علاقة الرئيس بالجيش الأمريكي، مثل تلك الفكرة التي سادت في البدء بعدم قبول الرأي العام الأمريكي لمرشح مثل دونالد ترامب، وها هو الآن يتصدر استطلاعات الرأي بالفوز.
في المقام الثاني، يبرز قادة الجيش المتقاعدين التقاء جزء مهم من المؤسسة العسكرية مع دونالد ترامب في الرؤية الأمنية للبلاد، وهي الحد من الهجرة خاصة القادمة من أمريكا اللاتينية ومنها المكسيكية، فهم يعتبرون الهجرة التي وقعت خلال العشرين سنة الأخيرة هي من الأخطار الكبرى المحدقة بالأمن القومي الأمريكي. وكان الباحث الاستراتيجي الشهير صامويل هنتنغتون، الذي يعتبر الواجهة الثقافية للمؤسسة العسكرية الأمريكية، قد أكد في كتابه الأخير قبل رحيله «من نحن» على هذا الهاجس الذي يؤرق الجيش. كما يتخوف الكثير من القادة من هيمنة الاقتصاد الصيني على جزء من الاقتصاد الأمريكي، ما يهدد سيادة البلاد مستقبلا. وترى المؤسسة العسكرية الأمريكية أن البلاد تشهد تأخرا في الكثير من القطاعات ومنها عدم تجديد البنيات التحتية، بينما دول منافسة مثل الصين تخطو خطوات عملاقة في هذا الشأن. وتريد استعادة دورها التاريخي في بناء البنيات التحتية للبلاد ورسم السياسيات الكبرى ليس فقط في المجال العسكري والخارجية بل في الداخل.
في المقام الثالث، تعتبر المؤسسة العسكرية أنها قد تعود إلى المشاركة في صنع القرار السياسي مع دونالد ترامب في البيت الأبيض بقوة بعد التهميش الذي عانت منه خلال العشرين سنة الأخيرة. وعلاقة بهذا، تعتبر المؤسسة العسكرية عماد الدولة الأمريكية، فهي كانت تساهم في تخطيط الاقتصاد والسياسة الخارجية، وتولت بناء البنيات الكبرى للبلاد من طرق وجسور ضخمة. ولعبت نزاعات عسكرية كبرى مثل الحرب العالمية الثانية وكوريا وفيتنام ثم الحرب الباردة دورا في تعزيز نفوذ الجيش. لكن بعد نهاية الحرب الباردة عملت إدارة بيل كلينتون على التقليل من تدخل الجيش خوفا على الديمقراطية. وانقسم الجيش في عهد جورج بوش الابن بشأن حرب العراق، وتعتبر فترة باراك أوباما من أسوأ العلاقات بين رئيس والمؤسسة العسكرية خلال العقود الأخيرة. فقد كشفت دراسة لمعهد هوفير مؤخرا بأن المؤسسة العسكرية تحظى باحترام كبير لدى الرأي العام الأمريكي ويوجد تخوف لدى المراقبين من أن يؤدي استقطاب قادة الجيش في الانتخابات الحالية إلى فقدان الجيش الكثير في أعين المدنيين، وهو ما سيتسبب في مشاكل مستقبلا. لكن رغم كل هذه التخوفات، فالجيش الأمريكي يحضر بقوة في سياسة البلاد، فنسبة مهمة من أطر الدولة في مختلف المؤسسات المدنية من اقتصاد وخارجية وطوارئ قد مرت بالمؤسسة العسكرية، مما يجعل الجيش يحضر بشكل أو آخر رغم التهميش.

مقالات ذات صلة

By 

Sign In

Reset Your Password