بعد البريكسيت وترامب هل ستفوز الجبهة الوطنية المتطرفة برئاسة فرنسا؟ د. حسين مجدوبي

زعيمة الجبهة الفرنسية ماري لوبين

صرح الوزير الأول الفرنسي مانويل فالس الأسبوع الماضي في برلين باحتمال فوز زعيمة الجبهة الوطنية المتطرفة ماري لوبين برئاسة فرنسا خلال الانتخابات التي بقيت على إجرائها شهور معدودة فقط.
وهذا التصريح لم يلفت الانتباه بالشكل الكافي، رغم أن احتمال فوز ماري لوبين وارد للغاية، وقد يشكل، نظريا وليس عمليا، المفاجأة الثالثة للإعلام والمحللين السياسيين دوليا بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «البريكسيت» وفوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية. ويمكن فهم تصريح مانويل فالس بأنه مجرد تصريح سياسي في سياق غير محدد، كما يمكن رؤيته من زاوية مقلقة، وهو أن هذا المسؤول ينبه الطبقة السياسية والرأي العام الفرنسي الى ما يعتبره خطر الفكر السياسي المتطرف الصاعد الذي قد يشكل مفاجأة. ونحن نميل إلى الرأي الثاني بحكم أن معطيات الواقع تفيد بعدم استبعاد وقوع هذا السيناريو مستقبلا.

والتجربة مازالت حية، فقد كانت معطيات كثيرة من الواقع السياسي والاجتماعي الأمريكي تفيد باحتمال فوز دونالد ترامب في الانتخابات الأمريكية، لكن الطبقة السياسية الكلاسيكية وإعلامها الذي يعتبر ناطقا باسم «الإستبلشمنت» مثل «نيويورك تايمز» كانت تنفي ذلك إما عمدا أو إهمالا، ولاحقا بدأت تعترف بالخطأ ولكن عبر مبررات واهية مثل دور الفيسبوك، علما بأن الديمقراطيين كانوا أكثر استعمالا للفيسبوك من الجمهوريين، وتتناسى الواقع الاجتماعي والسياسي الأمريكي الذي كان محددا في الفوز. والمعطى الأول الذي يفيد باحتمال فوز ممثلة الجبهة الوطنية ماري لوبين برئاسة فرنسا، هو تقدمها في استطلاعات الرأي منذ سنتين، فهي تحتل المركز الأول أو الثاني وبفارق كبير عن الرئيس الحالي فرانسوا أولاند الخامس في الاستطلاعات. وهذا التقدم صلب ومتين وتدريجي، وفق نتائج الانتخابات البلدية والبرلمانية والأوروبية الأخيرة.
والمعطى الثاني يتجلى في نوعية الناخبين الذين تستقطبهم الجبهة الوطنية، ويتعلق الأمر بشريحة الفقراء والعمال، علاوة على الناخبين التقليديين الذين يصوتون على الجبهة منذ التسعينيات لأسباب تتعلق بالهوية أساسا. وعليه، هل يمكن اعتبار التصويت على ماري لوبين هو تصويت عنصري؟ بمعنى أن ملايين الفرنسيين الذين يؤيدون هذه السياسية هم عنصريون وتخلوا عن مبادئ الحرية والمساواة والأخوة التي أتت بها الثورة الفرنسية ويرددها مواطنو هذا البلد الأوروبي، أم أنه يمكن اعتبار التصويت بمثابة تصويت عقابي؟ بمعنى أن شريحة من الفرنسيين تعبت من سياسة طبقة سياسية تهتم بمصالحها أكثر من الاستماع إلى هموم الشعب، أم أن الجبهة الوطنية تعكس مصالح الفرنسيين هوياتيا وثقافيا وسياسيا؟
البعض يستبعد تصويت نسبة عالية من الفرنسيين لصالح ماري لوبين في الانتخابات الرئاسية المقبلة، معللين ذلك بنضج الشعب الفرنسي وإيمانه بقيم الجمهورية التي أتت بها الثورة الفرنسية. هذا الطرح يبقى غير مقنع، لأن القيم أحيانا هنا لا تلعب دورا رئيسيا وإنما المصالح الشخصية. ويسعفنا التاريخ في فهم تصرف الشعوب في لحظات معينة. الفرنسيون قاموا بأكبر ثورات التاريخ في حقوق الإنسان وهي الثورة الفرنسية، وبشروا بعالم جديد تسوده القيم الثلاثية الحرية والمساواة والأخوة، لكنهم ما لبثوا أن قاموا بغزو جزء من العالم، خاصة القارة الأفريقية مطبقين سياسة عنصرية وجرائم ضد الإنسانية، وما تعرض له المغرب العربي – الأمازيغي خير شاهد على هذه الجرائم. لقد التقت مصلحة الشعب الفرنسي مع جزء من قادته بشأن غزو العالم لتحقيق المكاسب الاقتصادية.

من جهة أخرى، ينطلق الكثير من المحللين من معطى خاطئ، وهو وصف الجبهة الوطنية باليمين المتطرف. في العلوم السياسية، يعكس مصطلح اليمين تصورا مرتبطا بالاقتصاد والمواقف الليبرالية، وإذا تعمقنا في برنامج الجبهة الفرنسية سنجده يقترب في بعض مقترحاته من تصورات يسارية معتدلة، ولهذا جذب إليه مؤخرا الكثير من أفراد الطبقة العاملة، وفق دراسات سياسية فرنسية. في الوقت ذاته، لا ننسى أن النازية التي توصف باليمين المتطرف هي في الواقع كلمة تركيبية للقومية والاشتراكية. فهذه الحركات القومية المتطرفة مثل الجبهة الوطنية نجحت في جذب الكثير من العمال، وهنا يتجلى خطرها الحقيقي، لأن الحزب يصل الى السلطة عندما يتغلغل في الطبقة الفقيرة، وما أكثرها في الوقت الراهن في العالم الغربي، نتيجة سياسة العولمة التي فاقمت الفوارق الطبقية.
هناك ثلاثة مفاتيح تعزز من حظوظ ماري لوبين لتكون منافسة شرسة على الرئاسة الفرنسية وهي:
– الفوارق الطبقية التي تتفاقم في المجتمع الفرنسي منذ التسعينيات، وهو المجتمع الذي جرب الوصفات الاقتصادية لحكومات اليمين واليسار التي تناوبت على السلطة، والآن قد يغامر بالرهان على التطرف في الحلول التي تقدمها الجبهة الوطنية.
– التوظيف الخطير لإشكالية الهوية الفرنسية، علما أن الفرنسيين شوفينيين بشأن ثقافتهم تحت شعار «الاستثناء الفرنسي»، ويعتقدون أنهم يتعرضون لغزو عربي إسلامي أفريقي، ويكفي الاطلاع على الكتب الأكثر مبيعا سنجدها لإريك زمور وجماعته الذين يوظفون الهوية. الطرح الحقيقي للجبهة الوطنية هو الدفاع القومي عن هوية فرنسا أمام المهاجرين. هنا تلتقي مع دونالد ترامب الذي جعل من ضمن شعاراته الرئيسية في الحملة: وقف الهجرة المكسيكية أو اللاتينية عموما.
– احتمال ذهاب أصوات أنصار نيكولا ساركوزي الخاسر في الانتخابات التمهيدية لليمين يوم الأحد الماضي الى الجبهة الوطنية، لأن ساركوزي تبنى طروحات متطرفة خلال الشهور الأخيرة اعتقادا منه التقليل من خطر الجبهة الوطنية، ولكن قد يكون العكس بعد خروجه من المنافسة على الرئاسة ممثلا لليمين.
وبهذاـ لا يمكن استبعاد فوز الحركة القومية المتطرفة الجبهة الوطنية برئاسة فرنسا ليكون الغرب قد شهد سياسيا ثلاث هزات متتالية في ظرف سنة ونصف السنة وهي البريكسيت ودونالد ترامب وأخيرا الجبهة الوطنية في فرنسا.
كل شيء أصبح وارد في عالم يتغير بسرعة.

مقالات ذات صلة

By 

Sign In

Reset Your Password