دعوا نزاع الصحراء طالما لا يضر أحداً/ توفيق رباحي

الأمين العام لألأمم المتحدة بان كيمون في منطقة بئر لحلو

Taufik1 أنهى الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، في اليومين الماضيين زيارة وُصفت بالتاريخية إلى الجزائر ومخيمات اللاجئين الصحراويين في تندوف بأقصى جنوب غرب الجزائر. والتقى خلال زيارته بمسؤولي بعثة الأمم المتحدة لتنظيم استفتاء تقرير المصير في الصحراء، المعروفة اختصاراً بـ»مينورسو»، في منطقة بئر الحلو التي تسيطر عليها جبهة «البوليساريو» التي تطالب باستقلال الصحراء.
لم يتمكن المسؤول الدولي من زيارة المغرب، أو المناطق التي يسيطر عليها، بسبب رفض الملك محمد السادس استقباله احتجاجاً ـ ضمنيا ـ على ما تراه الرباط انحيازاً من الأمم المتحدة، أو عجزاً عن أداء دور يعزز طروحاتها ويصب في مصلحتها في نهاية المطاف.
زيارة الأمين العام للأمم المتحدة إلى منطقة شمال إفريقيا لبحث قضية الصحراء هامة لسببين: الأول، كونها الأولى لأمين عام للأمم المتحدة لهذه المنطقة المتنازع عليها منذ أربعين عاما.
والثاني، كونها أكدت مجدداً عجز أطراف النزاع، المغرب والبوليساريو والجزائر، وكذلك الأمم المتحدة والعالم، عن التوصل إلى حد أدنى من الاتفاق لإنهاء هذه المأساة والسماح للمنطقة بالإقلاع كما أقلعت دول ومناطق العالم.
كان يمكن للزيارة أن تحرك المياه الراكدة في هذه البركة المنسية من العالم، وتبعث ببعض الأمل في نفوس الحالمين بحل لمشكلة مزمنة أصبحت عاراً على كل أطرافها بلا استثناء. لكنها، بالمقابل، مُنيت بفشل ذريع، لأن كل ما تمخضت عنه كان بعض الحسرة والأماني والنوايا الطيبة التي لا أثر لها على الأرض. حسرة على الانسداد الذي آل إليه هذا النزاع، وعلى مصير آلاف اللاجئين الذين وُلدوا ونشأوا وسيموتون في مخيمات تفتقد لأدنى شروط الحياة الآدمية.. وأمانٍ بأن «تتعقل» الأطراف المعنية بالنزاع لإنهائه ومعه معاناة المتضررين منه.. ونوايا طيبة تجاه أن ينجح المبعوث الدولي للنزاع، كرستوفر روس، في إقناع المغرب والبوليساريو، ومن ورائهما الجزائر، بـ»توفير أجواء إيجابية» للعودة إلى مفاوضات الحل السلمي.
لسوء حظ اللاجئين الصحراويين الذين توقفت حياتهم منذ أربعة عقود في مخيمات تندوف وغيرها، ولسوء حظ شعوب المنطقة، هذا النزاع مرشح ليعمّر سبعين سنة أخرى أو أكثر، على حساب الاستقرار الإقليمي ورفاه المنطقة وتقارب مكوناتها كدول وشعوب.
الجميع، إقليميا ودوليا، مسؤولون على هذا المأزق البغيض الذي انتهت إليه هذه الأزمة لأن لا أحد لديه حل، ولا جهة تستطيع أن تفرض حلا. الأطراف المباشرة فشلت في فرض حل بالحرب وعجزت عن توفير حل بالسلم. الحل العسكري مستبعد لأن لا أحد من هذه الأطراف يحبذ المغامرة به أو يستطيع تحمل تبعات مغامرة عسكرية لا يريدها أحد.
انتهى نزاع الصحراء إلى هذا النزاع الراكد لأسباب عدة، أبرزها أنه لم يعد يهدد أحداً.. المغرب يدَّعي أنه في صحرائه ويستطيع الحفاظ على الوضع القائم والتعايش معه وبه إلى يوم الدين. وجبهة البوليساريو اعتادت على العيش كما هي الآن وكأنها اكتفت بالمساحة القليلة التي تسيطر عليها من الصحراء وبمخيمات تندوف. كما تبدو وكأنها اقتنعت بأنها لن تنال من العالم، دبلوماسيا وسياسيا وماديا، أكثر مما نالت، فاستسلمت للأمر الواقع. أما الجزائر فلا تبدو خسائرها مكلفة أو فادحة في استمرار هذا الوضع، وبالتالي لا ترى حاجة للاستعجال في البحث عن حل. بل تبدو منتشية بانشغال المغرب بالشوكة المزروعة في خاصرته.
والأطراف الدولية من أمم متحدة ومنظمات أخرى تتحمل مسؤولية غير قليلة في هذا الفشل الذريع، ليس فقط بسب فشلها في فرض حل، بل لعجزها عن جلب أطراف النزاع إلى طاولة مفاوضات جادة غير عبثية، وهو الحد الأدنى المطلوب.
عندما وقف بان كي مون يتحدث في مؤتمر صحافي الأحد بالجزائر العاصمة، لم يكن يختلف عن أي رئيس دولة أو منظمة إقليمية يعبّر عن بعض الأمنيات الطيبة. لم يقف الرجل كقائد لأكبر هيئة أو منظمة دولية بإمكانها وفي يدها فرض الحلول عبر التوافقات الدولية.
موقف بان ذاك والمعاملة التي لقيها من ملك المغرب والنتيجة (بالأحرى اللانتيجة) التي انتهت إليها زيارته، والحجارة التي طاردت موكبه في مخيمات تندوف، هي التعبير الأوضح عن عجز الأمم المتحدة في موضوع الصحراء الغربية. والعجز هنا ليس بسبب يديها المكتوفتين فقط وتعنت أطراف النزاع، بل بسبب غياب الإرادة الكافية وانقسام مواقف الأعضاء الكبار تجاه الموضوع.
فلو كانت أزمة الصحراء مركزية تهدد فعلا استقرار منطقة كبرى أو تعيق حركة التجارة العالمية أو انسيابية الاقتصاد الدولي، لَمَ أهملتها الأمم المتحدة والمجتمع الدولي كل هذا الوقت؟ أما وهي لا تزعج أحداً باستثناء المعنيين بها وفي الحد الأدنى، فلم تجد الأمم المتحدة من الحوافز أو الضغوط ما يدفعها إلى الإصرار على حلها؟
ولو كانت الأزمة تحوز على اتفاق أو إجماع القوى الاقتصادية والعسكرية الكبرى في العالم، وكذلك الأعضاء دائمي العضوية في مجلس الأمن، لـَمَ تماطلت في حلها ولو بفرض تسوية ما؟
لكن الحال أن فرنسا والولايات المتحدة في صف المغرب، وروسيا والصين منشغلتان بحروبهما العسكرية والاستراتيجية والاقتصادية عبر العالم، وبريطانيا غير مكترثة، والاتحاد الأوروبي لديه من الهموم والمآسي ما يفيض عن طاقته.
هذه المعطيات مجتمعة ركلت أزمة الصحراء إلى أسفل اهتمامات العالم، وقضت على حلم التوصل إلى حل يخرج الجميع من عنق الزجاجة ستطيل عمر الانتظار عقوداً أخرى.

مقالات ذات صلة

By 

Sign In

Reset Your Password