دونالد ترامب قد يجسد الـ«بريكسيت» الأمريكي/د.حسين مجدوبي

المرشح الجمهوري دونالد ترامب

بقيت شهور قليلة على الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي ستجري يوم 8 نوفمبر المقبل، وبدأت ملامح فوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب تتعزز بحكم تقدمه أو تعادله في استطلاعات الرأي مع المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون. واحتمال فوزه قد يشكل منعطفا في السياسة الأنكلوسكسونية وسيكون على شاكلة بريكسيت جديد ولكن بريكسيت أمريكي.
الكثير من المراقبين والمهتمين بالسياسة الخارجية الأمريكية في أوروبا والعالم العربي لم يهتموا كثيرا بدونالد ترامب عندما أعلن منافسته لمرشحين آخرين في الحزب الجمهوري خلال الصيف الماضي. ولكن تدريجيا خلق رجل الأعمال المفاجأة السياسية وفاز على باقي المنافسين بأكبر النسب في تاريخ الانتخابات الداخلية للحزب الجمهوري. وكما خلق المفاجأة وسط هذه الهيئة السياسية، فقد يفوز بالانتخابات الرئاسية وإن كان هذا لم يعد مفاجئا بعدما بدأت استطلاعات الرأي تعطيه تقدما على مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون.
ويبقى التساؤل، هل يعتبر تقدم دونالد ترامب سياسيا معجزة أم أنه نتيجة الواقع الأمريكي؟ الجواب ينطلق من ضرورة رصد كيف ينظر العالم لترامب وكيف ينظر إليه الأمريكيون. في هذا الصدد، توجد زاويتان لمعالجة ظاهرة دونالد ترامب، الأولى وهي الرؤية الدولية ومنها الرؤية العربية لهذا المرشح، بينما الرؤية الثانية هي يعكسها الرأي العام الأمريكي وخاصة ما يسمى بأمريكا العميقة بعيدا عن مراكز المدن الكبرى مثل نيويورك ولوس أنجلس.
كل تحليل للصحافة الدولية ومنها العربية، سيجد الباحث أنه جرى التركيز على تصريحات مثيرة لدونالد ترامب مثل خطابه العدائي ضد الهسبان وخاصة المكسيكيين ثم المسلمين في أعقاب الاعتداءات الإرهابية التي شهدتها الولايات المتحدة وأوروبا. وانطلقت أغلبية التحاليل والتعاليق من توظيف قيم التسامح والحوار في مهاجمة أطروحات دونالد ترامب. ولم يكن ترامب بخيلا في انتقاداته، فقد وجه سهام النقد إلى العالم العربي والإسلامي وخص العربية السعودية بالكثير منها، كما وجه انتقادات إلى الدول الغربية وعلى رأسها فرنسا وألمانيا. واعتمدت الرؤية الدولية وسائل إعلام مثل «نيويورك تاميز» و»الواشنطن بوست» علما أنها صحافة لا تأثير لها على الأمريكي الذي يعيش في العمق الأمريكي.
ولم يتم الاهتمام الكافي بالرؤية الداخلية لدونالد ترامب، أي رؤية الأمريكيين لهذا المرشح المثير للجدل، ونعني الأمريكيين الذين يشكلون الأغلبية ويعيشون في العمق الأمريكي وخاصة في ولايات مثل نبراسكا وأوهايو وأوريغن وأركنساس وأوتاه وهم من المتدينين ومن البيض والسود على حد سواء. وهذه الرؤية والشريحة هي الحاسمة في الانتخابات.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار استطلاعات الرأي الأمريكية، سنجد أن أغلبية الأمريكيين ترفض التواجد المكثف للاتينيين وخاصة المكسيكيين وتربطهم بالعنف والجريمة والاغتصاب والمخدرات. في الوقت ذاته، أغلب الأمريكيين يربطون بين الإسلام والعنف بل والإرهاب. هذا يفسر لماذا يجد خطاب دونالد ترامب قبولا وسط الرأي العام الأمريكي الذي لا يبدي انزعاجا من مقترحات مثل منع دخول المسلمين أو طرد المكسيكيين. هذه المواقف تعتبر عادية في وسائل إعلام محلية في مختلف الولايات الأمريكية.
وعليه، لفهم احتمال فوز ترامب في الانتخابات المقبلة يجب الأخذ بعين الاعتبار المعطيات التالية والتي عالجنا بعضها في مقالات سابقة على صفحات «القدس العربي»:
أولا، استطاع إقناع الإنسان الأمريكي الأبيض أساسا ونسبة من السود وخاصة الذين تفوق أعمارهم الثلاثين بأنهم ضحايا السياسات الاقتصادية لرؤساء جاؤوا بعد مرحلة الرئيس الجمهوري رونالد ريغان وجورج بوش الأب وبيل كلينتون. ويركز على الأخير كثيرا متهما إياه بفتح الأبواب أمام الصينيين. وهذه من النقاط التي يستعملها كسلاح ضد المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون.
ثانيا، من منطلق قومي أمريكي، يطالب بأمريكا بيضاء وسوداء تماشيا مع تاريخ تأسيسها بعيدا عن الإثنيات الجديدة التي تشكل وفق رؤيته خطرا على مستقبل البلاد، وهنا يدخل انتقاده الشديد للوجود اللاتيني. فقد حول المكسيكيين إلى ما يشبه حالة المغاربيين في خطاب الجبهة الوطنية الفرنسية. وتساعده استطلاعات الرأي في مهمته هذه لأن شريحة هامة من الأمريكيين ترفض ارتفاع الوجود اللاتيني.
ثالثا، من الناحية المؤسساتية، ربح ترامب وسط الحزب الجمهوري لأنه يعتبر المرشح القادم من خارج المؤسسات العميقة التي تحكم البلاد والتي يتم تسميتها بـ Establishment. وكان أكثر من 82٪ من الناخبين الأمريكيين يفضلون مرشحا خارج هذه المؤسسات. وتعتبر مجلة «نيورببليك» هذا العنصر حاسما لفهم رهان الكثير من ناخبي الجمهوريين على دونالد ترامب. بل ويمكن القول أنه سيكون حاسما في الانتخابات المقبلة، لأن المرشح الديمقراطي بيرني ساندر استطاع الصمود في مواجهة هيلاري كلينتون بفضل خطابه الشديد ضد Establishment. وعليه، تفيد بعض وسائل الإعلام الأمريكية أن عددا من أنصار سانذرز قد يصوتون لصالح دونالد ترامب. ومن ضمن الأمثلة البارزة، الممثلة الشهيرة سوزان سارندون التي تعتبر من التقدميين في هوليوود دافعت عن بيرني ساندرز، ولكنها قالت أنها تفضل في حالة عدم ترشح ساندرز عدم منح صوتها لكلينتون. ومما يساعد ترامب هو تعهد بفتح تحقيق في الجهات التي تقف وراء الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي ينسبها إلى هذه المؤسسات العميقة.
رابعا، ومن الناحية الاقتصادية، يتعهد ترامب بإعادة الشركات الكبرى إلى الولايات المتحدة لخلق مناصب الشغل والرفع من مستوى الرفاهية، ويعد ببرنامج إعادة البنيات التحتية بآلاف المليارات من الدولارات، مما سيجعل البلاد تسجل نشاطا اقتصاديا غير مسبوق.
خامسا، توجد عوامل أخرى نجح ترامب في تحقيقها، وهي كسب تعاطف المؤسسة العسكرية وخاصة قدامى المحاربين الذين يبلغ عددهم تسعة ملايين ويشكلون وزنا قويا وسط المجتمع الأمريكي. وفي الوقت ذاته، هناك شريحة محافظة للغاية تقدر بالملايين ترفض انطلاقا من منطلقات دينية رئاسة امرأة للولايات المتحدة، وهذا يعد مفاجأة للكثير من القراء.
فهم السياسة الأمريكـــــية مؤخرا وخاصــة الداخلية يتطلب فهم عقلية المواطن الأمريكي الذي يعيش في العمق الأمريكي بعيدا عن مراكز مثل نيويورك وجرائدها، لأن هذا سيساعد على فهم ظاهرة ترامب. وعليه، قد تكون الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة بمثابة «بريكسيت على الطريقة الأمريكية».

مقالات ذات صلة

By 

Sign In

Reset Your Password