عندما يدافع ويطور بيل غيتس وغوغل العربية أحسن من فقهائها/ د. حسين مجدوبي

نظام التشغيل ويندوز ومخترعه بيل غيتس

يعرب الكثير من المثقفين وفقهاء اللغة واللسانيين عن غيرة شديدة على اللغة العربية ويحذرون من تراجعها، لكنهم في المقابل لا يفعلون الكثير بل يقتصرون على النقد وعلى الخطاب التقليدي، بينما إنقاذ اللغة العربية يأتي في الوقت الراهن من الغرب أساسا بفضل شركات مثل غوغل وشخصيات مثل بيل غيتس صاحب برامج منها ويندوز.
وتاريخيا، تحافظ اللغة على استمرارها نتيجة ثلاثة عوامل رئيسية وهي:
أولا، قوة الدولة أو الدول التي تتحدث بهذه اللغة ومدى انتشار نفوذ هذه الدول في العالم. وهكذا، انتشرت اللغة قديما ارتباطاا بحجم مستوى الخريطة الجغرافية والسياسية للدولة، فقد كانت اللاتينية منتشرة لأن الامبراطورية الرومانية كانت قوية. وحاليا تعتبر الانكليزية الأكثر استعمالا بفضل الاستعمار البريطاني تاريخيا ثم النفوذ الأمريكي الحالي الذي ورث الانكليزية.
ثانيا، مدى مستوى الإنتاج الفكري والعلمي بهذه اللغة، وهذا يعني هل الشعوب التي تتحدث هذه اللغة منتجة ومبدعة أم لا؟؟ ومن ضمن الأمثلة، كانت العربية هي لغة الإنتاج المعرفي في القرون الوسطى، ولهذا كان مثقفو وسياسيو الشعوب غير العربية يتعلمونها وكانت لغة التجارة في البحر المتوسط. وتعتبر الانكليزية في الوقت الراهن لغة العلم، وهذا يضمن لها انتشارا قويا لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية.
ثالثا، مدى تأقلم هذه اللغة مع المنصات التقنية أو التكنولوجية للغات، وهذا من أهم العناصر لاستمرار اللغة، وتبلور هذا منذ القديمم ولكن بشكل أكبر بعد اختراع المطبعة وصولا إلى الكمبيوتر والانترنت.
ومن ضمن اللغات السابقة الأكثر انتشارا كانت اللاتينية، لكنها مع بداية الثورة الصناعية تراجعت بشكل كبير، وهذا يعود إلى كونن الإنتاج الفكري والعلمي البديل لفكر الكنيسة كان يتم باللغات التي كانت توصف بالعامية في القرون الوسطى مثل الفرنسية والألمانية والاسبانية وأصبحت رئيسية مع الوقت، لأن رجال الدين كانوا يرفضون الفكر الجديد من فلسفة وبحث في الكيمياء والفيزياء. في الوقت ذاته، استعملت هذه اللغات الحديثة المطبعة التي اخترعها غوتنبرغ في حين بقيت الكنيسة حبيسة النسخ والتحرير يدويا لمدة طويلة.
ورغم أنها أصيبت بالجمود الفكري، ولم يعد العالم العربي ينتج فكرا متنورا وحداثيا، ورغم أن المطبعة دخلت إلى عدد من الدولل العربية متأخرة، ففي حالة المغرب بدأ استعمالها حتى أواخر القرن التاسع عشر، حافظت اللغة العربية على وجودها كلغة أساسية. والسر في هذا يعود إلى انغلاق العالم العربي على نفسه لقرون، ولكن بمجرد ما بدأ الانفتاح سواء الإجباري عبر الاستعمار أو الطوعي بعد مرحلة الاستقلال في أواسط القرن الماضي، بدأت اللغة العربية تتراجع لأنها لا توفر الإنتاج العلمي وخاصة في الجامعات.
وهذا التراجع عائد إلى عاملين، الأول وهو عدم مواكبتها التطور العلمي والفكري، فالإنتاج الفكري والعلمي يتم بلغات غير العربيةة بل الغربية أساسا. ومما زاد الطين بلة هو غياب دينامية ترجمة العلوم من لغات أجنبية إلى العربية لإغناء اللغة، وثانيا هو تأخر اللغة العربية في مواكبة المنصات التقنية والتكنولوجية للكتابة والنشر والبث.
ويشهد العالم العربي شريحة من الفقهاء والكتاب الغيورين على اللغة العربية الذين يرفعون السيف ضد كل من ارتكب خطأ نحوياا أو لم ينطق العربية جيدا في التلفزيون بل حتى في الطائرة من مضيفات أو حاول إضافة مصطلح تقني جديد سواء بتعريبه أو كتابته بأحرف عربية والإبقاء على التسمية كما هي في اللغة الانكليزية، لأن مجمعات اللغة العربية تعمل أكثر بطئا من السلحفاة في زمن الانترنت.
لكن «حراس المعبد» من هذا النوع لا يفيدون اللغة العربية في شيء بل يكررون ما جرى للاتينية التي تكاد تغيب بسبب عدمم مواكبتها تطورات العصر. ويبقى التطور الحقيقي للغة العربية وإعادة انتشارها مجددا في يد الشركات الغربية وعلى رأسها غوغل ومايكروسوفت التي أحيت العربية بإدماجها في البرامج المعلوماتية. ولنطرح التساؤل التالي: كيف كان سيكون وضع العربية في الوقت الراهن لو لم تبادر هذه الشركات العملاقة بإدماج العربية في برامجها؟ عمليا، كان سيكون كارثيا، ويستمر حتى الآن كارثيا وإن كان بنسبة أقل.
ولو لم تقدم هذه الشركات على إدماج العربية، لكان معظم المواطنين العرب اما يطورون مستواهم من اللغات الحية لمواكبة العصرر أو يكتبون العربية بأحرف لاتينية في الكمبيوترات، وهذه الظاهرة الأخيرة منتشرة بكثرة في برامج التشات مثل واتساب وفيسبوك.
لكن عمل هذه الشركات وبعض المتطوعين العرب من الباحثين يبقى محدودا، فبرامج الكمبيوتر والانترنت التي تعمل باللغة العربيةة لا تمثل في أحسن الحالات سوى 10% من البرامج الموجودة في العالم. ولم تقدم أي حكومة وحتى في الخليج التي ترفع «شعار تنمية العالم العربي» على إنشاء شركة قوية لتعريب مختلف برامج الكمبيوتر والانترنت سواء بالاتفاق مع الشركات الكبرى أو تطوير البرامج الحرة غير المقيدة.
وهكذا، في ظل غياب فكري وعلمي ملحوظ في العالم العربي، وفي ظل غياب حركة ترجمة للإنتاجات باللغات الأخرى، وفي ظلل عدم تطوير برامج المعلوماتية باللغة العربية، سيكون مصير العربية مثل اللاتينية. قد يقول البعض أن العربية لغة القرآن، نعم، واللاتينية كانت اللغة الرئيسية للإنجيل (لم ينزل بها) ولكنها تقوقعت.
وعليه، شكرا غوغل وشكرا بيل غيتس على تطوير العربية، ونترك لحراس المعبد شعارات الغيرة الرنانة ولكنها جوفاء.

المقال من مصدره: القدس العربي

By 

Sign In

Reset Your Password