ما مضمون وثائق الاستخبارات العربية إذا تمت إزالة السرية عنها؟

أربعة دكتاتوريين عرب المصري مبارك والليسبي القذافي واليمني عبد الله صالح والتونسي بنعلي لم تنفعهم الاستخبارتا في تأمين حكمهم

كشفت الاستخبارات الأمريكية في شهر يناير الجاري عن 12 مليون وثيقة من الوثائق التي كانت تعتبر حتى السنوات الماضية مصنفة بالسرية، والتساؤل الذي نطرحه بالمناسبة، ما هو مضمون وثائق المخابرات في العالم العربي لو تمت إزالة السرية عنها؟
ولا تعتبر هذه المرة الأولى التي تقدم فيها إدارة الاستخبارات الأمريكية المعروفة بالحروف اللاتينية CIA، على إزاحة السرية عن وثائق حررها عملاؤها في مختلف مناطق العالم، أو في شعبة التحليل في مقرها في لانغلي في فيرجينيا، بل حدث الأمر في الماضي. وهذه الوثائق تعتبر مرجعا مهما لسببين، الأول وهو المعلومات السرية التي تتضمنها، وإن لم تعد سرية الآن، وبالتالي هي مرجع مهام للغاية للمؤرخين والباحثين في العلاقات الدولية.
ثانيا، وارتباطا بالنقطة السابقة، تسمح هذه الوثائق بتشكيل فكرة عن كيفية صناعة القرار الأمريكي تجاه مختلف دول العالم. صناعة القرار ترتكز على المعلومة وتحليلها وتقييم السيناريوهات المرتبة.
وشخصيا، اطلعت على عشرات من هذه الوثائق حول المغرب ودول الجوار من إسبانيا والجزائر، علاوة على نزاع الصحراء، وهذا ساعدنا في فهم نسبة لا بأس بها من الأحداث التاريخية. وإذا أزاحت فرنسا السرية عن وثائق الخارجية والاستخبارات ستكون مكملة بشكل كبير لفهم الأحداث، نظرا لنفوذها التاريخي في المغرب العربي – الأمازيغي وتغلغلها في دواليب هذه الدول.
مبادرة الاستخبارات الأمريكية ليست جديدة وليست وحيدة، فقد قامت دول أخرى، ومنها بريطانيا بالكشف عن وثائق الخارجية أساسا، كما فعلت الاستخبارات الإسبانية الأمر نفسه، ولكن مع وثائق قديمة جدا ولا تتعلق بالعقود الأربعة الأخيرة. وما يمكن استخلاصه من مختلف وثائق الاستخبارات والخارجية هو مدى عمل هذه الأجهزة من أجل الدفاع عن مصالح شعوب الدول التي تنتمي إليها، ولكن من دون الإساءة إلى مواطنيها. وهذا الوضع يجرنا إلى تكرار التساؤل الذي طرحناه في البدء: على ماذا سنعثر في وثائق الاستخبارات العربية في حالة الكشف عن مضمونها؟ الجواب على هذا التساؤل يجرنا الى ضرورة معرفة نوعية الاستخبارات في العالم العربي، هل هي استخبارات بمفهومها الراقي والمتقدم الذي يمكن اختزاله في خدمة الشعب أو حماية الدستور؟ أو هي أجهزة في خدمة السلطة الحاكمة، هذه الأخيرة التي ليست ديمقراطية؟
في البدء، معظم الأجهزة الاستخباراتية في العالم العربي بعيدة كل البعد عن المفهوم الراقي للاستخبارات الذي أشرنا إليها، فهي استخبارات تعتمد جمع المعلومات مثل الاستعلامات البوليسية، ولا تعتمد في الغالب على التحليل للمساهمة في صناعة القرار، الذي يخدم مصلحة الشعب والوطن. وإذا حدث وقامت بالتحليل، فهي تبدع في رواية تعرض البلاد لمؤامرات بما يفوق أكبر مبدعي الخيال العلمي. في الوقت ذاته، معظم أفراد الاستخبارات في العالم العربي يتعاطون مع الناشطين السياسيين أو العاملين في الحقل السياسي عموما، كما يتعاطون مع الإجرام، لا فرق بين السياسي والمجرم، وإن كان الأخير لا يحظى بالمحاربة والمكافحة مثل السياسي. وهكذا، فبينما تستقطب الأجهزة الغربية طلبة نابغين من كبريات الجامعات، تستقطب الأجهزة العربية من الأحزاب الوحيدة ومن الشرطة والفاشلين من الجامعات.
وإذا كانت الدول العربية تفتقر للتعددية السياسية الحقيقية، فهي تشهد التعددية في أجهزة الاستخبارات بشكل مثير ومرعب، إذ تتجاوز دولا مثل المانيا وفرنسا وبريطانيا، وتتنافس في هذا الصدد مع روسيا والولايات المتحدة، علما بأن الدولة الأخيرة لديها أجندة عالمية، سياسيا واقتصاديا وثقافيا وعسكريا، بينما العربية لديها أجندة واحدة تتلخص في قمع الشعوب العربية والسيطرة عليها. وتعداد الأجهزة الاستخباراتية للتنافس في خدمة الحاكم في العالم العربي لا تنفع عند «الامتحان الحقيقي» الذي هو ثورة الشعوب. ويقدم الربيع العربي درسا رائعا في هذا الصدد، فجيش الاستخبارات لم يحم الرئيس حسني مبارك من السقوط عام 2011، كما أن التعدد الاستخباراتي التونسي لم ينفع الرئيس زين العابدين بن علي الذي جرى طرده، والأمر نفسه مع الرئيس الليبي معمر القذافي الذي سقط. فهي لم تقف سدا أمام انتفاضة الشعوب، ولم تستطع رصد ما يعتبرونه مؤامرة أطراف خارجية لتفجير الربيع العربي، فقد خسرت في امتحان الداخل والخارج. وكما فشلت في حماية الأسماء المذكورة ستفشل مستقبلا في حماية أولئك الذين يستمرون في قمع شعوبهم وملاحقة مواطنيهم السياسيين. وهكذا، إذا حصل وتمت عملية الكشف عن مضمون وثائق الاستخبارات في كل دولة عربية، لن تحدث المفاجأة، فهي وثائق لا تتضمن حماية مصالح البلاد العليا، بقدر ما هي تبدع في حماية الحاكم وتبرير جرائمه السياسية والمالية وتعزيز الفساد. لا تتضمن تقارير عن دول أجنبية ومنها غربية، بقدر ما تتضمن متابعة الناشطين، وبطبيعة الحال الإبداع في الكذب الى مستوى متدن، والإبداع في تركيب الملفات وتلفيق التهم لاعتقالهم.
ولعل من العناوين الدالة على هذا الوضع، أن معظم الدول العربية لديها مشاكل ترابية – حدودية، ولم يساهم أي جهاز استخباراتي في حماية وحدة البلاد من التفتت الداخلي، وتفادي التنازل للخارج. في الوقت ذاته، تجد الاستخبارات العربية وقد أصبحت مجندة لتلبية طلبات الاستخبارات الغربية، مثل استقبال مشتبه فيهم بالإرهاب لتعذيبهم، بينما العربية فيما بينها تعيش حربا ضروسا ممتدة في الزمن بسبب عداوة الحكام بينهم. لكن تبقى الطامة الكبرى أن بعض الحكام العرب كانوا عملاء لدول أجنبية، وقد كشفت وثائق عن هذا في الماضي. ويحدث إما لأنهم يخافون من ملاحقة قضائية دولية، بسبب خرقهم لحقوق الإنسان وسرقتهم أموال الشعب، أو تحت ضغط الكشف عن ملفات أخلاقية تورطوا فيها. لهذا، لا تنتظروا إزالة السرية عن هذه الوثائق، فمضمونها معروف للغاية: خدمة الحاكم وقمع الشعب.

مصدر المقال: القدس العربي

By 

Sign In

Reset Your Password