مثقفون وباحثون مغاربيون في خدمة فكر «ما بعد الكولونيالية»/ د.حسين مجدوبي

لوحة من غزو فرنسا للجزائر

أدلى مرشح الرئاسة الفرنسية إيمانويل ماكرون بتصريحات جريئة عندما اعتبر الاستعمار، وما ترتب عنه من جرائم هو بمثابة جريمة ضد الإنسانية. هذا الموقف السياسي يخلق جدلا سياسيا في فرنسا، ولكنه لا يجد الصدى الكافي في العالم العربي، خاصة في شمال إفريقيا التي عانت من الاستعمار الفرنسي.
ويعود هذا الى تملق نسبة عالية من المثقفين والمؤرخين للقوة الاستعمارية السابقة، علاوة على خوف الأنظمة من طرح هذه الإشكالية على طاولة المفاوضات. وجاءت تصريحات إيمانويل ماكرون الأسبوع الماضي خلال زيارته إلى الجزائر، ولم يتردد في القول بأن ما قامت به فرنسا في الجزائر يعتبر جريمة ضد الإنسانية، مضيفا أن الاستعمار لديه شق إيجابي وهو نقل الحضارة وواجهة مقيتة تتجلى في جرائم النهب والتعذيب.
انتفضت الطبقة السياسة الفرنسية المحافظة منددة بتصريحات ماكرون، الشاب المرشح لرئاسة البلاد، الذي يمتلك حظوظا قوية، وقد يكون السد الحقيقي أمام حرمان ماري لوبين من رئاسة هذا البلد الأوروبي. انتفاضة اليمين الفرنسي أمر مفهوم، ولكنه مرفوض لعنصريته، هذا اليمين بكل زعمائه وتياراته يرى استعمار فرنسا لجزء من العالم، ومنه شمال إفريقيا، رسالة حضارية ورثتها فرنسا عن روما القديمة. ولهذا السبب، يزخر الأدب السياسي الفرنسي في القرن التاسع عشر بكتب وخطب سياسية في هذا المنحى. ورغم بشاعة الاستعمار وما رافقه من نهب وتعذيب وقتل مئات الآلاف من مواطني شمال إفريقيا، لا تطالب الأنظمة الحاكمة من القوة الاستعمارية السابقة فرنسا بالدرجة الأولى وإسبانيا بالدرجة الثانية تعويضا ماديا واعتذارا سياسيا رسميا. ورغم محاولات الرئيس الليبي السابق معمر القذافي مع إيطاليا، ورغم إصرار الجزائر في مواجهة فرنسا تبقى هذه المحاولات محتشمة وترمي إلى الضغط السياسي وليس الإنصاف التاريخي للشعوب. وتصمت تونس الرسمية عن جرائم الاستعمار، لكن هذا الصمت يجب ألا يستمر بحكم أجواء الديمقراطية بعد الربيع العربي التي تعيشها البلاد، ويتفادى النظام المغربي الإشارة إلى الموضوع، رغم أنه ترك جرحا عميقا في نفوس المغاربة، ومنه استعمال الغازات السامة في شمال المغرب من طرف فرنسا وإسبانيا في مواجهة ثورة محمد بن عبد الكريم الخطابي.
ويبقى صمت الأنظمة الحاكمة في شمال إفريقيا مفهوما، فهي فاقدة لاستقلالية القرار السياسي والاقتصادي، مهما رفعت من شعارات، وتدرك أن طرح مثل هذه الملفات شائك لحكام مازالوا يقصدون المتروبول الاستعماري، بهدف غسيل الأموال التي ينهبونها، ويتعالجون في مستشفيات باريس ويرسلون أبناءهم للدراسة هناك، في الوقت الذي لم يوفروا فيه لأوطانهم مستشفيات لائقة وجامعات مناسبة. لكن صمت أغلبية المثقفين والمؤرخين يعتبر جريمة في حق شعوب شمال إفريقيا. وعمليا، يعتبر المثقف الملتزم ضمير الأمة والوطن ويستحضر عبر أبحاث أو إبداعات أدبية وفنية مختلف مظاهر هذه الأمة، ومنها استحضار الانشغالات والمآسي، كما يعتبر المؤرخ ذاكرة الأمة والوطن، خاصة من خلال إلقائه الضوء على الجوانب المظلمة من التاريخ إنصافا للذاكرة المشتركة وتحذيرا من تكرار المآسي مستقبلا.
ومن خلال استعراض معظم الإبداعات الأدبية، نجد الخزانة الفرنسية والإسبانية تزخر بروايات حول الغزو والاستعمار الفرنسي لشمال إفريقيا، بعضها يشيد وبعضها يندد، وفي المقابل نجد السراب في شمال إفريقيا، فمعظم الأدباء منغمسون في قضايا تجريدية، من دون الاقتراب من قضايا التاريخ. ويمكن تفسير هذا بما يلي: غياب وعي حقيقي بقضايا التاريخ لدى المثقفين، الخوف من السلطات يجعلهم لا يقتربون من قضايا تاريخية حساسة، ثم عدم إغضاب «ماما فرنسا» حتى لا تمنع عنهم تأشيرات السفر ومنح الإقامة وبعض الجوائز الثانوية والرخيصة، التي استحدثت «لأدب أهالي المستعمرات السابقة» مثل جائزة أطلس التي استحدثتها سفارة فرنسا في المغرب سنة 1991. هل تعتقدون أن لجنة تحكيم جائزة الأطلس ستمنح جائزتها لعمل يتحدث عن مآسي الاستعمار الفرنسي في المغرب؟ وفي الوقت ذاته، تحول الكثير من الباحثين من شمال إفريقيا شأنهم شأن آخرين من الشرق الأوسط الى مستشرقين جدد في خدمة المستشرقين القدامى ما وراء بحار الشمال. يتخصصون في دراسة كل ما قد يمس مصالح القوى الاستعمارية. وهكذا، نجد جيشا من الباحثين من شمال إفريقيا يبحثون تحت ظاهرة ما يسمى «ما بعد الكولونيالية» كيفية تطور المجتمعات المغاربية، وبدون وعي تجدهم يبحثون كيف تتأثر مصالح فرنسا بعد الاستعمار حتى الآن، وليس كيف تهدف شعوب المنطقة إلى استقلالية قراراتها السياسية والاقتصادية والأمنية. جيش من الباحثين يقوم بدور «الاستشراق بالنيابة».
بينما ترتفع أصوات في فرنسا تطالب بتجريم الاستعمار ومنها مانويل ماكرون، مع استثناءات يصمت مؤرخو البلاط ومثقفو مهرجانات البترودولار وماما فرنسا، بل العجز يدفع ببعضهم إلى القول بأن ماكرون يرغب في جلب أصوات الفرنسيين من أصل جزائري، من دون الإدراك أن نسبة منهم ينتمون الى «الأقدام السوداء» وهم ضد أي تجريم للاستعمار بل يمجدونه.
كان المفكر المغربي المرحوم المهدي المنجرة يقول بأن الشعوب المغاربية والعربية عموما عندما ستدرك أهمية الذاكرة التاريخية بكل معانيها: من حكمها، من أساء إليها، من هم شهداؤها، من عرقل تطورها ويستمر في عرقلته، وقتها ستحقق قفزتها التاريخية نحو الرقي الحضاري.

المقال من مصدره القدس العربي

مقالات ذات صلة

By 

Sign In

Reset Your Password