هل سنعيش في الديكتاتورية إذا تم تلقين تاريخ الديمقراطية ومساوئ الاستبداد في المدارس؟

لون أسود

تعتبر البرامج الدراسية حاسمة في تشكيل شخصية المواطن، وفي تشكيل مسار مجتمع معين، وتبرز التجارب الدراسية أنه كلما كانت هذه البرامج متقدمة ومتطورة فهي تساعد على تطور المواطن وبالتالي المجتمع. وهناك دعوات لإعادة النظر فيها، لتعميق الوعي الجماعي، ولاسيما بمخاطر المستقبل.
البرامج الدراسية عادة ما تركز على طرق التلقين، وكذلك مضمون المواد التي يتم تلقينها والفترة الزمنية، وهي غنية للغاية لكنها تبقى ناقصة في نظر بعض الخبراء، لأنها أحيانا لا تواكب كثيرا العصر، خاصة في دول تفتقر لباحثين في التعليم وتستورد مناهج دراسية من الغرب وعلى رأسها الدول الاستعمارية السابقة. ومن ضمن الأمثلة، تستوحي دول المغرب العربي برامجها الدراسية من التعليم الفرنسي، وتقتبس دول الشرق الأوسط برامجها التعليمية من بريطانيا، وأحيانا من الولايات المتحدة.
وعمليا، استرعى نظري دائما غياب بعض المواد التي تعتبر ليس فقط أساسية في تكوين التلميذ أو الطالب، بل حاسمة في حياة الإنسان عموما، لكنها مواد تغيب بشكل لافت للنظر من التدريس الى مستوى الحديث عن احتمال مؤامرة تغييبها، بينما تحضر مواد أخرى تبقى سطحية وغير مفيدة جدا. ومن المواد التي يتم تغييبها قسرا، مادة الاقتصاد، رغم شدة ارتباطها اليومي بحياة الفرد والمجتمع والعلاقات الدولية. وعليه، يوميا نتعامل مع الفواتير والبنوك وفوائد القروض، وهناك من يتابع أخبار صرف العملات ونستمع لأخبار البورصة والقروض، لكن بدون تكوين اقتصادي لنفهم هذه الملفات بشكل جيد. ندرس في المرحلة الابتدائية والثانوية اللغة والتاريخ والجغرافيا والرياضيات والفيزياء، ضمن مواد أخرى بعضها مفيد والآخر من باب الثقافة العامة، لكن لا نتلقى تكوينا في الاقتصاد نهائيا، إلا من يختار هذا التخصص في المرحلة الجامعية.
الدردشة مع عدد من الخبراء والأكاديميين الاقتصاديين المتمردين، علاوة على مقالات وكتب متعددة، تصلنا بفضل الإنترنت وليس دور النشر الكبرى، يؤكدون وجود مؤامرة حقيقية لتغييب تدريس مادة الاقتصاد، حتى لا يفقه عامة الناس في القضايا المالية والاقتصادية، ويبقون بمثابة القطيع المسير من طرف نخبة محدودة للغاية، هي عبارة عن دولة عميقة لديها تشعبات في كل دول العالم. وتوجد أدلة حول عملية الصمت أو التلاعب المبيتة. وكانت خبيرة من الخبراء القانونيين في البنك الدولي وهي كارين هودس، قد نددت بتلاعب هذا البنك ومؤسسات دولية أخرى باقتصاد العالم، وإغراق العالم في مديونية يبدو أنها أبدية. في الوقت ذاته، هل قرأنا تاريخ البنوك النافذة مثل، كولدمان ساكس الذي ينعت بـ»البنك الذي يحكم العالم» وكيف يتورط في اختلاس أموال الشعوب. ويكفي الحديث عن مؤامرة هذا البنك ضد أموال ليبيا والتلاعب بخبرائها لاختلاس أموال الشعب الليبي.
هناك أكثر من خبير لا يستبعد، إمكانية أنه لو جرى تدريس الاقتصاد في المرحلة الابتدائية والثانوية وجرى تعميم المعرفة الاقتصادية لتغير وجه العالم، وستسود علاقات مالية مختلفة أكثر إنصافا من الوضع الحالي القريب من العبودية. ومن مظاهر هذا التغيير، تفادي حدوث أزمات مالية تعصف بالمواطنين، وتجنب سيطرة المؤسسات المالية الدولية على مستقبل الشعوب.
ومثلما تحدث ثورة في شتى القطاعات بفضل الإنترنت ومنها الحقل الإعلامي، تشهد المعرفة الاقتصادية ثورة حقيقية، لكنها لا تصل الى الرأي العادي، حيث هناك تشكيك في جودة تلقين الاقتصاد الحالي والمناداة بمعرفة بديلة. وينطلق المشككون من التساؤل التالي: لماذا فشل الاقتصاديون الكلاسيكيون في التكهن بالأزمة الأخيرة، رغم مئات معاهد التفكير في العالم؟ لماذا تغرق الشعوب في المديونية مما يهدد مستقبل أجيال؟
ودائما في إطار البرامج المدرسية يتم تشكيل وعي جديد أو تطويره، تأملوا لو قامت المدارس، خاصة في دول العالم المتخلف مثل الدول العربية بتدريس مادة تجمع بين تاريخ الديمقراطية من جهة ومصير الديكتاتوريين من جهة أخرى! ماذا سيحدث؟ الدول الغربية تقدم لتلاميذها تكوينا في الديمقراطية عبر مادتي التاريخ والتربية المدنية، تدريس مادة تحمل اسم تاريخ الديمقراطية في مرحلة الابتدائي والثانوي ثم الجامعي، ستجعل المجتمع مهما كانت قوة السلطة الحاكمة منفتحة أو غاشمة عاجزة عن ممارسة التحكم، أمام الإيمان العميق للشعوب بالديمقراطية، على شاكلة إيمان هذه الشعوب بديانة سماوية من الديانات الثلاثة. في الوقت ذاته، تلقين المواطن منذ الصغر مساوئ العيش في كنف الديكتاتورية، سيجعله يقاوم أي عملية ترمي الى إرساء نظام سلطوي تحكمي ديكتاتوري، وسيجعل الديمقراطية مثل المعتقد الديني، الذي يصعب تغييره رغم الضغوط أو الإغراءات. لكننا في العالم العربي نعيش العكس، فقد تحولت مادة التاريخ ومنها المعاصر الذي يلقن في المدارس الى مادة لتمجيد الديكتاتوريين من ملوك ورؤساء جعلوا من أنفسهم آلهة تعبد، لكن التاريخ نفسه يلقي بهم في مزبلته في الكثير من الأحيان.
إذا درسنا الاقتصاد منذ الصغر سنفهم محيطنا والعالم أحسن، وإذا درسنا تاريخ الديمقراطية لن نسمح مستقبلا بالكثير من الوجوه التي تحكمنا بالحديد والنار البقاء في السلطة أو توريث كرسي العرش.

By 

Sign In

Reset Your Password