ولم يعد المغرب الجار المزعج لاسبانيا/د. حسين مجدوبي

الملك محمد السادس رفقة رئيس الحكومة الإسبانية ماريانو راخوي

أصبحت اسبانيا تثني على المغرب ولم يعد يحمل، مؤقتا، صفة «الجار المزعج» التي التصقت به طيلة العقود بل القرون الماضية، لكن الرؤية الاسبانية لا تجعل منه بعد «الشريك الاستراتيجي» مثل فرنسا والبرتغال. وهذه الصفة الجديدة لا تعني نهائيا الارتياح وإرساء الثقة بقدر ما نتحدث عن «ثقة حذرة».
وأنتج الفكر السياسي الكثير حول المغرب، من أفكار وطروحات وكلها تصب في اعتباره مصدر الخطر والقلق والجهة التي لا يجب الثقة فيها أو على الأقل الحذر منها. وتحدث استثناءات أحيانا بفضل مفكرين قلائل على رأسهم الأندلسي بلاس إنفانتي في أوائل القرن العشرين الذي نادى بوحدة مغربية- اسبانية وخاصة مع الأندلس. بينما باقي الأطروحات كلها تنهل من المفهوم العسكري والأمني بشكل مبالغ فيه وعلى رأسها طروحات كانوفاس ديل كاستيو  في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الذي اعتبر أن الحدود الطبيعية لإسبانيا هي جبال الأطلس، وبالتالي يجب غزو المغرب. ويعتبر رئيس الحكومة الأسبق خوسي ماريا أثنار من المعجبين بهذا السياسي، بل ويعتبر ديل كاستيو عراب اليمين في اسبانيا تاريخيا.

والكم الهائل من الإنتاج الفكري السياسي الذي في معظمه عسكري حول المغرب يعود إلى أن البلدين شيدا هويتهما ومنذ القرون الوسطى في مواجهة الآخر، فالعلاقات بين البلدين تجسد الشرق والغرب في شكل ثنائي بين دولتين. والاطلاع على التاريخ المشترك هو تاريخ المواجهة والصراع بامتياز، حيث  لا يخلو عقد من الزمان من أزمات تكون أحيانا شائكة. ولم ينفع تطور العلاقات الدولية والانتقال إلى منتظم دولي في امتصاص هذه المواجهة التي تحدث بين الحين والآخر.
لكن الفكر الاسباني السياسي خلال الأربع سنوات الأخيرة وخاصة تقارير مراكز التفكير الاستراتيجي لم تعد تعتبر المغرب، مؤقتا، مصدر القلق والخطر بل تراه، وإن كان بحذر شديد، «الجار الذي لم يعد مزعجا». وبدأ هذا التفكير مع التطورات السياسية في أعقاب وصول الحزب الشعبي المحافظ إلى السلطة سنة 2001. وهذا التصور الجديد الذي يحكم العلاقات الثنائية ليس وليد الاتفاقيات الموقعة بين البلدين بل نتيجة المخاطر التي يتعرضان لها.
ووقع المغرب واسبانيا اتفاقيات مؤطرة للعلاقات أبرزها اتفاقية الصداقة وحسن الجوار سنة 1992، لكنها لم تمنع من وقوع أزمات كبرى على رأسها أزمة جزيرة ثورة صيف 2002، عندما ارتفع التوتر العسكري بين الطرفين بسبب جزيرة لا تتعدى مساحتها ملعب كرة القدم أمام الشاطئ المغربي في مضيق جبل طارق.
ويتحكم عامل رئيسي في الوقت الراهن في العلاقات بين المغرب واسبانيا وإضفاء طابع الهدوء عليها إلى مستوى وصفه بـ «الجار غير المزعج» وهو «المخاطر المشتركة»، هذه المخاطر التي تتجلى في الإرهاب والوحدة الوطنية وملفات أخرى قديمة لم تعد تشكل عبئا كبيرا مثل الهجرة.
ويعتبر ملف الإرهاب من أكبر التحديات التي يواجهها البلدان في الوقت الراهن بسبب انخراط مجموعة من الشباب المغربي أساسا في الحركات الإرهابية وعلى رأسها تنظيم «الدولة»، لاسيما وأنهما تعرضتا لعمليات إرهابية أبرزها تفجيرات الدار البيضاء خلال أيار/مايو 2003 ومدريد خلال سنة 2004. وتجد الدولة الاسبانية كل الدعم من طرف المغرب في محاربة هذه الآفة، كما يجد المغرب كذلك كل الدعم من طرف اسبانيا.
ويشكل ملف الوحدة الترابية العنصر الآخر المتحكم إيجابا في الوقت الراهن في تطور العلاقات المغربية- الاسبانية نحو ما هو إيجابي. في هذا الصدد، تعاني اسبانيا من تهديد حقيقي لوحدتها الترابية بسبب مطالب الكتالان الاستقلال عن السلطة المركزية في مدريد. وقطعت الأحزاب القومية الكتالانية المسيطرة على الحكم في برشلونة عاصمة هذا الإقليم أشواطا نحو هدفها، حيث تنوي جعل سنة 2018 الفاصل. وطلبت اسبانيا من المغرب تجميد مطالبه في سبتة ومليلية بشكل حبي وأحيانا بالتهديد تحت ضغط التقليل من العلاقات، على الأقل ما صدر عن وزير الخارجية الإسباني مانويل غارسيا مارغايو في لقاء مفتوح في فندق بلاس في العاصمة مدريد خلال سنة 2013 وبمشاركة الوزير المنتدب في الخارجية وقتها يوسف العمراني.

. ومقابل هذا الطلب، حصل المغرب على تفهم نسبي من طرف مدريد تجاه مصالح المغرب في نزاع الصحراء. إذ تحولت اسبانيا، ليس إلى مدافع عن مصالح المغرب، بل تتبنى مواقف تقنية في الصحراء تهدف إلى التقليل من الضغط على المغرب سواء من طرف الاتحاد الأوروبي أو من طرف مجلس الأمن خاصة وأنها تشغل عضوية هذا المجلس منذ السنة الماضية حتى نهاية الجارية. وعمليا، لعبت اسبانيا دورا في تخفيف الضغط على المغرب وكانت خير مساند لفرنسا في الدفاع عن المغرب في ملس الأمن.
ويبقى الملف الثالث هو الهجرة، ملف شكل خلال العقدين الأخيرين مصدر سوء تفاهم دبلوماسي وأمني بامتياز، لكنه تحول إلى مصدر تفاهم، فالبلدان يتخوفان من التحول إلى نقطة عبور تشـــبه شواطئ ليبيا-ايطاليا بسبب نزاعات الشرق الأوسط. وعليه، لا غنى لهما عن التعاون المكثف.
كما يحرص المغرب أكثر من اسبانيا على استمرار الطابع الإيجابي للعلاقات، وتجاوز أحداث اعتقد البعض أنها قد تفجر العلاقات الثنائية ومنها اعتراض دورية للحرس المدني ليخت للملك محمد السادس في مياه سبتة منذ سنتين. ومرد الحرص المغربي هو  نوعية العلاقات المتوترة مع جارته الجنوبية موريتانيا وجارته الشرقية الجزائر، ولا يمكن إضافة توتر مع الجارة الشمالية اسبانيا، حتى لا يبدو بمثابة الجار المزعج إقليميا وللجميع.
ويتساءل السياسيون في مدريد: إلى متى ستستمر العلاقات الإيجابية بين البلدين؟ وهذا يعني أن اسبانيا لا ترى في المغرب حاليا الشريك الاستراتيجي بل الجار غير المزعج، وهذا يدخل في إطار «الثقة الحذرة» سواء من هذا الطرف أو ذاك. علما أن السؤال الذي يجب أن يطرح: هل يمكن تطوير العلاقات الحالية الى استراتيجية لا تتاثر باللون السياسي للحكومة في مدريد أساسا طالما أن القرار في المغرب يعود للقصر وليس لرئاسة الحكومة.

هذه “الثقة الحذرة” هي التي دفعت مدريد إلى اقتراح نفسها محطة لطائرات مروحية أمريكية متخصصة في محاربة المخدرات، حيث صرح وزير الخارجية الاسباني مانويل غارسيا مارغايو خلال يونيو الماضي «هدف هذه الطائرات هو محاربة المخدرات الآتية من شمال افريقيا»، والمكان الوحيد التي تأتي منه المخدرات هو المغرب، بحكم أنه أكبر منتج للقنب الهندي في العالم.
ولو كانت العلاقات تحمل طابع الشراكة الاستراتيجية والثقة المتكاملة لما صدر تصريح مماثل عن هذا الوزير، ولكانت اسبانيا قد عالجت موضوع المخدرات في إطار التفاهم الثنائي مثل الهجرة والإرهاب دون إشراك آخرين أمنيا، وفي هذه الحالة إشراك الولايات المتحدة.

مقالات ذات صلة

By 

Sign In

Reset Your Password