جيوبولتيك الفاتيكان مع البابا فرانسيسكو: من كوبا الى فلسطين، ومن حوار الأديان الى تفهم المثلية

البابا فرانسيسكو

قال الرئيس الكوبي راوول كاسترو يوم 11 مايو الجاري عندما استقبله بابا الفاتيكان فرانسيسكو  (فرنسيس) “إذا استمر البابا على هذا المنوال سأعود للصلاة”، تصريح صادر عن سياسي شيوعي حارب الدين المسيحي لعقود تحت يافطة “الدين أفيون الشعوب”، لكنه يعكس في العمق الدبلوماسية التي يقوم بها الفاتيكان في المسرح الدولي كالاعتراف بالدولة الفلسطينية والمساهمة في التقارب الأمريكي-الكوبي وملفات اجتماعية ومنها تطوير الحوار مع العالم الإسلامي.

ويسود الاعتقاد بما في ذلك في العالم العربي والاسلامي بفصل حقيقي بين الدين والسياسة في الغرب وعدم مشاركة الدين في صنع القرار، لكن هذا الرأي  لا يتماشى والواقع في الكثير من المناسبات، فدور الدين في صنع القرار الأمريكي تابث، كما يلعب الفاتيكان دورا رئيسيا في بعض القضايا وإن كان بشكل رمزي لكن بتأثير قوي.

وصدرت الكثير من الكتب في الغرب عن الفاتيكان تبرز دوره السياسي البارز والصامت أحيانا في القضايا العالمية، وهي كتب تتناول دور هذه المؤسسة في دولة أوروبية معينة أو في السياسة الأوروبية أو في الغرب برمته. وبعض هذه الكتب تنطلق من فكرة المؤامرة وأخرى تدخل في إطار التحليل السياسي البرغماتي وأخرى حول الفصائح المالية للفاتيكان. وعموما، هي كتب تبرز الانشغال الكبير لكثير من المختصين بدور الفاتيكان في صنع القرار السياسي الدولي بحكم أن الفاتيكان هي أصغر دولة بأصغر شعب لا يتجاوز 450 شخصا. ومن الكتب البارزة حول الفاتيكان “الفاتيكان: من الأسطورة الى الواقع” لمؤلفه نيكولاس ستيفيس”.

ويعود الحديث عن الدور الدولي للفاتيكان أو “دبلوماسية الفاتيكان” مع البابا الجديد، فرانسيسكو الذي جرى اختياره في مارس 2013 وحضوره القوي في وسائل الاعلام الدولية بفضل وساطاته وتصريحاته التي تعدت الطابوهات التي كان معمولا بها في مؤسسة الفاتيكان، مما جعل الحرس القديم وصقور الكاثوليكية لا يخفون امتعاضهم من المظهر الجديد للبابا فرانسيسكو.

كما يعود دور الفاتيكان دوليا بفضل عودة الدين الى السياسة في بداية القرن الواحد والعشرين، حيث تمارس هذه المؤسسة الدينية تأثيرا على السياسة الداخلية للكثير من الدول عبر الكنيسة المحلية مثل اسبانيا وإيطاليا وبولونيا والمكسيك والبرازيل.

في هذا الصدد، لا يمكن فهم التقارب الأمريكي-الكوبي الذي حصل مؤخرا  بعد قرابة ستة عقود من التوتر والحرب الباردة بدون فهم الدور السري الذي قام به البابا فرانسيسكو منذ وصوله الى كرسي الفاتيكان. وهو ما جعل رئيس كوبا راوول كاسترو يزور الفاتيكان ويدلي  بتصريحه الشهير يوم 11 مايو الجاري بشأن عودته للصلاة، في مدح وثناء على دور البابا في التقارب.

وخلال الأسبوع الماضي، قام الفتايكان بالاعتراف الرسمي بالدولة الفلسطينية واستقبال رئيسها أبو مازن. ولا يقتصر الاعتراف على ما هو سياسي مثل اعتراف الفاتيكان ببعض الدول خلال السنوات الأخيرة كالتي انبثقت عن تفكك يوغوسلافيا سابقا بل هو اعتراف يحمل رمزية كبرى لأنه اعتراف بمأساة فلسطين ومناداة الكاثوليك الى دعم الفلسطينيين. وهذا الذي دفع إسرائيل الى القلق الحقيقي من خطوة الاعتراف التي أقدمت عليها الفاتيكان ويتزامن في فترة حرجة تمر منها إسرائيل وهي انتعاش دعوات المقاطعة ومحاكمة المتورطين في جرائم ضد الفلسطينيين.

دور الفاتيكان في التقارب الأمريكي-الكوبي جعل وسائل الاعلام تعيد الحديث عن دور هذه المؤسسة الدينية في السياسة الدولية. وتتحدث الصحافة بل وكذلك مراكز الدراسات الدولية عن “جيوبوليتيك الفاتيكان في التأثير في القرار الدولي”، يتعدى السياسي الى الاجتماعي الشائك مثل تفهم أكبر للمثلية الجنسية أو الضغط من أجل نهاية مأساة الهجرة السرية في البحر الأبيض المتوسط وانتقاد العولمة وهيمنة المؤسسات المالية على مواطني العالم.

وعن الدور الدولي للفاتيكان، يقول يقول لجريدة لقدس العربي الخبير في الفاتيكان زهير الوسيني “بالنسبة لي الفاتيكان ربما من الناحية الرمزية لديه الدور الطلائعي في مختلف القضايا الدولية إما مباشرة أو عبر   أو عبر الذراع الدبلوماسي غير الرسمي سانتي جيديو، عادة ما ينظر الى موقف البيت الأبيض وكبريات العواصم عند وقوع حدث ضخم ولكنه تتوجه الأنظار الى الفاتيكان كذلك”.

ويضيف “الفاتيكان مع هذا البابا الجديد استعاد دوره الدولي الذي تميز به في عهد البابا بولس الثاني فهو من أمريكا اللاتينية، يسهل عليه الاقتراب من العديد من القضايا بما فيها ما يتعلق بالعالم العربي الإسلامي مثل موقفه المشرف من الاعتراف بالدولة الفلسطينية أو رفض رسومات شارلي إيبدو حول الإساءة الى الدين الإسلامي”.

ويعتبر زهير الواسيني أول مسلم يكتب في الجريدة الرسمية للفاتيكان “أوبسيرفاتوريو رومانو” مقالات على شاكلة افتتاحيات في الصفحة الأولى يعالج فيها العلاقة بين الدين الإسلامي والمسيحي وقضايا دولية  متعددة.

ويستطرد في تصريحاته لجريدة القدس العربي “رغم وجود أقلية مسلمة في العالم العربي بل والإسلامي كذلك، لا نجد اهتماما بدور الفاتيكان، لا توجد مؤسسة بحثية للدراسات في العالم العربي حول الفاتيكان في السياسة الدولية ومنها العربية، بينما نجد العكس في حالة الفاتيكان الذي يتوفر على معهد للدراسات حول العالم العربي والإسلام وتقدم دراسات دورية”.  ويضيف متأسفا “ننتقد الغرب كثيرا لجهله بالعالم الإسلامي والديانة الإسلامية، ولكننا في المقابل لا نبدل جهدا لمعرفة الآخر من أجل حوار ديني حقيقي”.

وتتجلى دبلوماسية البابا الجديد تجاه العالم الإسلامي في الرهان على علاقة طبيعية وتعزيز للحوار، وهي من الرهانات الكبرى لمختلف البابوات خاصة ابتداء من القرن العشرين عندما أصبح العالم أكثر انفتاحا.  وإذا كان البابا السابق راتزنغر قد أثار احتجاجا واسعا في العالم العربي والإسلامي عندما قال بانتاشار الدين الإسلامي عبر السيف، فالبابا الحالي أعرب عن تفهم لقلق وانشغالات العالم الإسلامي.

ويرغب البابا الحالي في حماية المسيحيين في العالم العربي وأساسا الشرق الأوسط، ويبرز الفاتيكان أن وجود مسيحيين في العالم العربي-الإسلامي ووجود مسلمين في الغرب بفضل الهجرة سيساعد أكثر على الحوار ويجعل مؤمني الطرفين المقيمين في الطرف الآخر يقومون بدور هام.

ويبقى الموقف المشرف حتى الآن علاوة على الاعتراف بالدولة الفلسطينية، هو انتقاده لرسومات شارلي إيبدو المسيئة للإسلام  في وقت جرى فيه الخلط بين الإسلام والإرهاب بشكل مثير. قال البابا يوم 15 يناير الماضي “لا يمكن استفزاز أو إهانة معتقدات الآخرين، أو التهكم عليها…يملك كل فرد ليس فقط الحرية والحق بل أيضا الواجب في التعبير عن أفكاره للمساعدة على الصالح العام، واستخدام هذه الحرية أمر مشروع لكن دون إهانة”. وفي تصريح آخر، قال في اليوم نفسه “”إذا أدلى صديق بأقوال مسيئة حول والدتي فقد يتوقع تعرضه للكمة، هذا طبيعي، لا يمكن الاستفزاز وإهانة معتقدات الآخرين، لا يمكن السخرية منها”.

العالم يعيش انقساما سياسيا، وتشهد الخرائط جيوسياسية تغييرات ستكون عميقة خلال العقود المقبلة، ولهذا يستعيد الفاتيكان دوره الدبلوماسي الهادئ ولكن البارز في صنع القرار الدولي طالما أن أكثر من مليار كاثوليكي يوجهونه أنظارهم الى الدولة الصغيرة “الفاتيكان”. ويمكن ترجمة الرغبة الجديدة للفاتيكان تحت قيادة البابا القادم من الأرجنتين بعودة تأثير الدين في السياسة ولكن بصورة أقل درامية من الماضي. ولهذا، من المحتمل رؤية الفاتيكان بمبادرات جديدة في ملفات شائكة دوليا.

 

مقالات ذات صلة

By 

Sign In

Reset Your Password