تقرير تحليلي: الانتخابات البلدية المغربية لم تستوف المعايير الدولية الدقيقة

صورة لمكتب انتخابي يوم 4 سبتمبر 2015

انتهت الانتخابات البلدية في المغرب التي جرت يوم 4 سبتمبر ا2015 بعد تشكيل المجالس البلدية والقروية ومجالس الأقاليم، وهي انتخابات حملت معها تحول حزب العدالة والتنمية الى القوة السياسية الأولى في المدن مقابل انهيار تاريخي لحزب الاتحاد الاشتراكي وصعود نجم الأصالة والمعاصرة الذي يوصف بحزب الدولة المغربية. ولا تتوفر معايير المصداقية كاملة في هذه الانتخابات لأن نسبة المشاركة الحقيقية تؤكد عدم توفر النصاب القانوني المتعارف عليه، 50% والاتهامات بتوظيف المال والمخدرات فيها.

وهذا تحليل ألف بوست للانتخابات البلدية وأبرز ما مميزها ويؤثر مستقبلا في الممارسة السياسية في المغرب:

حياد السلطة وتشكيك في نسبة المشاركة

تعتبر الكثير من الدول أن نسبة المشاركة هو المقياس الحقيقي لتوفر انتخابات على المصداقية، وتعمد دول أخرى الى إلغاء النتائج في حالة عدم بلوغ عتبة 50%، حيث تنص على ذلك في الدستور. ولا يتحدث الدستور المغربي عن الحد الأدنى للمشاركة لقبول مصداقيتها وشرعيتها.

ويوجد في المغرب حوالي 24 مليون شخصا يحق لهم التصويت، بينما تتوفر لوائح الناخبين فقط على 14 مليون. وهذا الفارق يبرز عزوف 40% من المغاربة عن المشاركة في الانتخابات. في الوقت ذاته، لم يصوت سوى 53% ، وفق معطيات الدولة من أصل المسجلين في اللوائح. وهذا يؤكد أن النسبة الحقيقية لم تتعدى 30%. وتوجد تساؤلات قوية حول النسبة التي أعلنتها الدولة المغربية بسبب تأخرها ست ساعات على إعطاء نسبة المشاركة بعد إغلاق مراكز الاقتراع، علما أن الوسائل التقنية والرقمية الحالية توفر معطيات على مدار الساعة.

وعمليا، تبقى المشاركة عائقا سلبيا أمام إضفاء المصداقية والشرعية الكاملة على كل انتخابات تشهدها البلاد طالما لم تسجل 50% من الناخبين المغاربة الذين يحق لهم التصويت، أي 12 مليون.

وهذه المعطيات تؤكد ضعف تواجد الأحزاب وسط المجتمع المغربي من جهة، والعزوف المعلن من السياسة لدى المواطنين المغاربة من جهة أخرى.

ومن جهة أخرى، تجمع الأحزاب على ما سمته حياد سلبي للدولة المغربية، وهو يعني عدم التدخل في التلاعب بالنتائج. ولم يسجل المراقبون المحليون والدوليون خروقات. وهذا يعني أن المغرب قد قطع مع التدخل المباشر في الانتخابات مثل سرقة صناديق الاقتراع وتغيير المحاضر. وعليه، معيار حياد السلطة، ونإن كان سلبيا، فقد توفر في هذه الانتخابات.

عنف الدولة ضد دعاة المقاطعة

على الرغم  من ادعاءات الدولة بانحصار اليسار الراديكالي ونشطاء حركة 20 فبراير في المغرب، إلا أنها عمدت الى استعمال العنف مع نشطاء النهج الديمقراطي وكذلك نشطاء حركة 20 فبراير خلال دعوتهم لمقاطعة الانتخابات. وتعرض النشطاء لحملة عنف مادي من اعتقالات وضرب، كما تعرضوا لحملة إعلامية من وسائل إعلام مقربة من الأجهزة التابعة للدولة التي ركزت على شخصيات معينة ضمن ما يسمى “الحرب النفسية”.

وعنف الدولة المغربية يزكي قلقها من انحصار المشاركة الحقيقية للمغاربة وارتفاع نسبة العزوف. ويعتبر هذا مفارقة كبيرة، فالدولة تسيطر على وسائل الاعلام الرسمية، وتساعد الأحزاب على الترويج للانتخابات، لكنهت في المقابل لا تتسامح مع ما تعتبره الجمعيات الحقوقية “حق دستوري” في الدعوة لمقاطعة الانتخابات.

استعمال المال والمخدرات وهشاشة الخطاب الانتخابي

لم يتوقف زعماء الأحزاب السياسية ووسائل الاعلام التالبعة لهم بل حتى جمعيات حقوقية ومنها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالحديث عن توظيف المال في هذه الانتخابات لشراء أصوات الناخبين ثم شراء أصوات المنتخبين خلال اختيار رؤساء البلديات ورؤساء الجهات.

ولعل العنوان البارز لهذا هو الاتهام الصريح الصادر عن رئيس الحكومة المغربية عبد الإله ابن كيران الذي اتهم حزب الأصالة والمعاصرة بتوظيف أموال المخدرات “الغبرة” وفق تصريح له في الانتخابات. وجاء تصريحه هذا خلال تجمع انتخابي في مدينة أكادير. وجعل ابن كيران من المغرب على شاكلة بعض دول أمريكا اللاتينية التي يتم فيها استعمال المخدرات في السياسة مثل كولومبيا.

وترددت الاتهامات على لسان زعماء العدالة والتنمية، وكذلك اتهامات من زعماء آخرين بحضور المال في الانتخابات، لكن وزارة العدل لم تعلن عن فتح تحقيق حول هذه التصريحات لمعرفة هل هي صحيحة أم لا.

وتعتبر هذه الاتهامات مظهر من مظاهر هشاشة الخطاب السياسي في هذه الانتخابات. فقد حضرت الاتهامات المتبادلة في ظاهرة شعبوية لم تشهدها البلاد، بينما غابت البرامج حول تطوير الحياة الاجتماعية من خدمات تتولاها البلدية.

وصب تراجع الخطاب السياسي والانتخابي في مصلحة العدالة والتنمية الذي لم يجد أمامه منافسون سياسيون يركزون على حصيلته السلبية في تسيير قطاعات مثل الشغل والمقاصة.

العدالة والتنمية يحقق فقط عتبة الأحزاب الأوروبية

سجلت النتائج مفاجأة قوية في هذه الانتخابات، فقد تصدر الحزب المحافظ العدالة والتنمية الفوز في كبريات المدن ومنها تلك التي كانت ممنوعة عليه في الماضي عملا بمنعه الترشح في كبريات المدن وأساسا السياحية. وفاز الحزب في المدن الكبرى مثل تطوان والرباط وطنجة والدار البيضاء وفاس ومكناس ومراكش، حيث حاز على أكثر من 50% من مدن المغرب التي تفوق ساكنتها مائة ألف. وهو إنجاز تاريخي لم يحققه أي حزب سياسي من قبل.

لكن فوز العدالة والتنمية يجب التعامل معه في إطار النسبية اعتمادا على المشاركة الحقيقية. فقد حصل على مليون ونصف مليون صوت، وهو ما يعني 15% من الأصوات المعبر عنها، وفق المشاركة الرسمية المعلن عنها، ولا يتجاوز 6% في حالة الأخذ بعين الاعتبار نسبة المغاربة الذين يحق لهم التصويت.

وتبقى النسبة الحقيقية التي حصل عليها العدالة والتنمية هي العتبة التي تحددها بعض الدول للدخول الى البرلمان أو مجالس البلديات، أو النسبة التي تحصل عليها بعض الأحزاب الصغيرة في الانتخابات في بريطانيا وفرنسا والمانيا واسبانيا. وبالتالي الحزب الأول في المغرب بالكاد يسجل العتبة في الدول الديمقراطية في أوروبا.

 

تغيير أساسي في الخريطة  السياسية

تعتبر الانتخابات البلدية والجهوية التي شهدها المغرب تأسيس المنعطف الحقيقي في الخريطة السياسية للبلاد. في الماضي، كانت المواجهة منحصرة بين الأحزاب الوطنية وأساسا الاتحاد الاشتركي وحزب الاستقلال في مواجهة أحزاب الإدارية. وتزعم الحزبان المعارضة وكذلك السلطة بعد حكومة التناوب في عهد حكومتي عبد الرحمان اليوسفي وعباس الفاسي.

لكن الانتخابات الأخيرة حملت معها نهاية هيمنة الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال على الحياة السياسية، حيث أفسحا المجال لكل من حزب العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة. والمفارقة أن الأول يوجد في الحكم ويحمل شعارات المعارضة، بينما الثاني في المعارضة ويحمل شعارات الحكم.

وما يشهده المغرب هو مشابه للتطورات التي سجلتها الخريطة السياسية لبعض الدول الأوروبية بظهور يمين جديد ويسار جديد وتراجع الأحزاب الكلاسيكية التي لم تستطع التأقلم.

غياب زعماء كاريزماتيين

ورغم التطورات التي شهدتها الخريطة السياسية المغربية، فهي تختلف عن الأوروبية بشأن قوة تجذر الأحزاب وأساسا غياب زعماء لهم وزن يساهمون في تعزيز الأمن القومي للبلاد. فالنشاط السياسي المرتبط بالمؤسسات التشريعية ركيزة أساسية للأمن القومي وخاصة وجود زعماء يتمتعون بكاريزما قادرين على إقناع الرأي العام، ويجعل الزعيم اليميني يحظى باحترام اليساريين والزعيم اليساري باحترام المحافظين.

وتؤكد هذه الانتخابات أن المغرب لم يعد ينجب زعماء من طينة علال الفاسي وامحمد بوستة وعبد الرحيم بوعبيد وعلي يعتة وعبد الرحمان اليوسفي، بل الأمناء العامين حاليا هم نسخ رخيصة حتى للسياسيين الشعوبيين في دول أخرى.

 الملكية والانتخابات

حضرت المؤسسة الملكية على مستويين، الأول وهو توجيه الملك محمد السادس خطابا الى الشعب المغربي يوم 20 غشت الماضي يدعوه الى الانخراط في التصويت، والثاني على مستوى العلاقة المستقبلية بين العدالة والتنمية والقصر.

ورغم دعوة القصر للمغاربة للتصويت، لم تسجل المشاركة نسبة مرتفعة وذات مصداقية كبيرة بحكم تجذر العزوف السياسي في البلاد وضعف الإيمان في الأحزاب ومؤسسات البلاد.

ومن جانب آخر، تساءل أكثر من محلل حول العلاقة المستقبلية بين القصر وحزب العدالة والتنمية، إذ يسود الاعتقاد بعدم ارتياح القصر للعدالة والتنمية، وتوجد مؤشرات دالة على ذلك في أكثر من مناسبة، انطلاقا من بعض وثائق ويكليكس الى الهجمات المنظمة في وسائل إعلام مقربة من الدولة ضد الحزب.

ويذهب المحللون الى أن فوز العدالة والتنمية بالمدن يجعله قوة سياسية خارج سيطرة القصر عكس ما كان يحدث في الماضي مع باقي الأحزاب.

خلاصات

وتترك الانتخابات التي شهدها المغرب يوم 4 سبتمبر 2015 الكثير من الخلاصات وأبرزها:

-لم تستوف هذه الانتخابات المعايير الدولية المتعارف عليها، وإن كانت قد اقتربت منها نسبيا. ومما يجعلها مقبولة في أعين الرأي العام الدولي هو عدم تدخل الإدارة مباشرة يوم التصويت، وعدم وجود عنف ملحوظ خلال التصويت. وتشترك في غياب العنف مع دول الجوار مثل موريتانيا والجزائر ونسبيا تونس.

-استمرار العزوف القوي وسط الشعب المغربي مما يجعل أغلبية المغاربة لا يشاركون في بناء المؤسسات.

-هزالة الأحزاب وضعفها، فالحزب الأول لم يحصل سوى على 6% من الذين يحق لهم التصويت، ويساهم الخطاب الهش للأحزاب في إضعاف المشهد السياسي المغربي.

وهذا، في غياب حل للعزوف السياسي، وفي ظل استمرار هشاشة الخطاب السياسي الانتخابي، تبقى الانتخابات التي يشهدها المغرب نسبية المصداقية وبعيدة عن تطوير المجتمع المغربي.

وهذه الانتخابات لا تستوفي المعايير للانتخابات الغربية بل المعايير المتعارف عليها في الدول غير الدكتاتورية وغير الديمقراطية الحقة.

مقالات ذات صلة

By 

Sign In

Reset Your Password